تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوح — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
ثم يتكلم رجل منهم حتى يأتي على آخرهم ، قال الشعبي ( 1 ) : فجلس يوما كما كان يجلس في أصحابه ، فتكلم وتكلم ( 2 ) الناس حتى أفضى الكلام إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ، فتكلم وأوجز وأحسن ، قال : فأعجبني منه وأنا لا أعلم ما في قلبه . قال : ثم جمع الحجاج الناس ذات يوم فقال : دلوني على رجل يصلح للشرطة ، فقال له كاتبه عنبسة : أصلح الله الأمير ! عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث في شرفه وجلده ومكانه من أهل مصره ! فقال الحجاج : هو لها . قال الشعبي : فبادرت إليه وهو في منزل أمه أم عمران ، فقلت له : البشرى يا أبا الأشعث ! فقال : بماذا ؟ فقلت : إن الأمير ذكر رجلا يصلح للشرطة فذكرك له عنبسة بن سعيد ، قال الشعبي : فرأيته قد غضب فقال : ويحك يا أبا عمرو ! ومثلي يتقلد سيفا ويمشي بين يدي ابن أبي رغال ! والله ما رأيت أحدا قط على منبر يخطب إلا وظننت في نفسي أنا أحق بذلك منه ! قال فقلت له : دع عنك هذا ، فإن الحجاج ليس ممن يعادى ولا ينابح ، فلا تسأله عن نفسك ! فتبينت الكراهة في وجهه . ثم ركب وركبت معه إلى عنبسة بن سعيد كاتب الحجاج ، فلما دخلنا عليه قلت : أصلحك الله ! إني قد أخبرت أبا الأشعث بما كان من برك وعنايتك ورأيك فكره ذلك ! فقال عنبسة : ولم ذلك ؟ قال ابن الأشعث : لأنه لا حاجة لي في ولاية الشرطة . قال الشعبي : فسكت عنبسة ، فقلت له : جعلت فداك ! تدارك إصلاح ذلك ، فقال : أفعل ذلك . ثم ركب إلى الحجاج فلما دخل وأخذ مجلسه جعل يتناعس في المجلس ، فقال له الحجاج : ولم ذلك ؟ قال : لأني أشرت على الأمير أصلحه الله بعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ، وهو رجل شريف شديد الحياء من الناس ، فأخاف عليه الشفاعات . قال الحجاج : فلا حاجة لي فيه ، ولكن دلوني على رجل يصلح لهذا الامر ! فقال له بعض جلسائه : فأي رجل يريده الأمير - أصلحه الله ؟ قال : دائم العبوس ، طويل الجلوس ، سمين الأمانة ، أعجف الخيانة ، يهون عليك شباك الاشراف في الشفاعات . فقال له أهل المجلس : ما نعرف مثل هذا إلا
هامش
( 1 ) هو عامر بن شراحيل الشعبي ، من ندماء عبد الملك بن مروان ، مات بالكوفة سنة 103 ه‍ . ( 2 ) الأصل : وتكلموا .