تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوح — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
الشاكرين ، وأعلمك يا قتيبة بأنك إلى الشدة في دين الله عز وجل أحوج منك إلى اللين والوهن والضعف ، فاشدد يديك أبا حفص بما قلدك الله تبارك وتعالى من أمر خراسان ، واتبع السياسة التي رضي الله بها عن عبده الصالح ذي القرنين إذ قيل له لما بلغ مغرب الشمس ( يذا الفرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا ) ( 1 ) فأحب الله تبارك وتعالى أن يبلوه فيما آتاه فهداه إلى طاعته ومرضاته من الحرم والقوة . فقال : ( أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا * وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا ) ( 2 ) ، فرضي الله بصنيعه الحسن وقص ذلك في كتابه العزيز على نبيه صلى الله عليه وسلم ليقتدي به أئمة الحق ورعاة الدين ، فتدبر أبا حفص ما كتبت به إليك من موعظة العبد الصالح - والسلام عليك ورحمة الله وبركاته - . قال : فوصل الكاب إلى قتيبة بن مسلم بخراسان .

ذكر كتاب الحجاج إلى قتيبة عند وفاته

قال : ومرض الحجاج مرضته التي توفي فيها ، فلما أحس من نفسه الضعف وعلم أنه ميت كتب إلى قتيبة أيضا بهذا الكتاب : أما بعد يا قتيبة ! فإني كتبت إليك كتابي هذا وقد اشتد وجعي ، لعل الله تعالى أن يجعل علتي هذه كفارة لذنوبي ، والله أحب أن أخلد في هذه الدنيا كما خلد إبليس اللعين - عليه من الله والملائكة والناس أجمعين اللعنة والخزي والبوار وسوء الدار - ولي أسوة برسول الله ( صلى الله عليه وسلم وآله ) والأئمة الصالحين من بعده ، وإني لاعلم رجالا من المنافقين سيشتد سرورهم بما لي عند الله من عداوتهم إياي على دينه وأخذ حقه منهم ، وإني لاعلم رجالا يشتد لذلك جزعهم لما يتخوفون من ظهور الأعداء ، وقد علمت أن الذي ينصرهم في حياتي وهو الذي ينصرهم بعد مماتي ، فانظر يا قتيبة أن تكون أشد مما كنت في أمر الله وجهاد الكفار والمنافقين ، واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير ، أستودعك الله يا قتيبة أنت ومن معك من المسلمين حتى نلتقي نحن وأنت غدا بين يدي الرب الرحيم . قال : ثم توفي الحجاج فكانت وفاته بالعراق ليلة الجمعة لسبع مضين من شهر
هامش
( 1 ) سورة الكهف الآية 86 . ( 2 ) سورة الكهف الآيتان 87 - 88 .