تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوح — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
دعا قتيبة برجل من أصحابه يقال له سليم بن عبد الله وكان يقال له سليم الناصح ، فأرسله إلى نيزك يدعوه إلى الطاعة ويعذله على هربه ويضمن له على قتيبة ما أحب ( 1 ) . قال : فأقبل سليم الناصح هذا حتى صعد الجبل وصار إلى باب القلعة ، ثم استأذن على نيزك فأذن له ، فدخل فلما نظر إليه نيزك قربه وأدناه ثم قال : ما وراءك يا سليم الناصح ؟ فقال له سليم : ويحك ما الذي حملك على الهرب من العسكر وأنت أنت وقدرك عند الأمير هو القدر الذي علمت ؟ فقال نيزك : ويحك يا سليم ! إني لم أكن آمن على نفسي من قتيبة مع إكرامه إياي ، لان العربي بمنزلة الكلب ، إن ضربته نبح ، وإن أطعمته بصبص ، وإن غزوته فقاتلته ثم صالحته فأعطيته شيئا رضي ، هذا رجل قدم إليه فلان الأعور قيل له ألف ألف درهم على أن لا يقتله فلم يقبل ذلك منه وقتله ، فلما رأيت ذلك منه لم آمن على نفسي وهربت ، فهات الان ما عندك يا سليم ! فقال سليم : عندي والله أنه جال في جيشه كله وقد زحفت معه ملوك خراسان من جميع البلاد ولا أظنه نازحا عن موضعه هذا ، وأظنه يشتو فيه هذا الشتاء هلك أم سلم ، وأنا أرى لك من الرأي أن تنزل من قلعتك هذه ولا يعلم أحد بنزولك حتى تدخل إلى عسكره فتضع يدك في يده ، فقال نيزك : ويحك يا سليم إن نفسي لتأبى ذلك ، فقال سليم : إني ما جئتك إلا ناصحا مشيرا عليك ، فأما إذا أبيت فإني منصرف عنك ، قال : ثم وثب سليم لينصرف ، فقال له نيزك : فنغديك إذا يا سليم ! [ قال : إني لأظنكم في شغل عن تهيئة الطعام و - ] ( 2 ) معنا طعام كثير ، ثم قال سليم لغلامه : يا غلام ! ائتنا بالطعام الذي حملناه معنا من العسكر ، قال : فجاء الغلام بطعام كثير لا عهد له بمثله ، فلما نظرت الأتراك إلى ذلك الطعام وحسنه وكثرته بادروا إليه فانتهبوه . قال : فاغتم نيزك لذلك ، فقال له سليم : يا أبا الهياج ! إني لك من الناصحين ، أرى أصحابك هؤلاء إن طال بهم الحصار أن يستأمنوا قتيبة ويسلموك ، فقال نيزك : أو أنزل إلى قتيبة من غير أمان وظني به أنه قاتلي ؟ قال سليم : يا هذا ! فإنه قد آمنك وإنما هو الذي أرسلني إليك أفتتهمني ؟ قال نيزك : لا أتهمك ، فقال أصحابه مثل قول سليم وقالوا : اقبل منه قوله فإنه ناصح لك . قال : فدعا نيزك بدابته فركب وركب معه أصحابه ، وخرج من باب القلعة حتى إذا صار إلى الدرجة التي ينتهي ( 3 ) منها إلى قرار الأرض ضرب
هامش
( 1 ) في الطبري أن قتيبة طلب من سليم أن يأتيه بنيزك بغير أمان ، وإن أعياه وأبي فليعطه أمانه . 6 / 456 . ( 2 ) زيادة عن الطبري 6 / 456 . ( 3 ) الطبري : يهبط .