فجمعهم عنده ، ثم أقبل عليهم فقال : يا أهل البصرة ! إنه قد أظلكم عدو غالب ، له
نار لاهبة ، وقد أصاب فيكم مصائب عظاما حتى تحاماه الناس ، ولكن هاتوا رأيكم
وسموا لي رجلا يقوم بهذا الأمر فينتدب لحرب هؤلاء الخوارج ! قال : فتكلم بعض
القوم وقال : أصلح الله الأمير ! إنه ليس لهذا العدو أحد يقوم بأمره إلا المهلب بن أبي
صفرة ( 1 ) ، لأنه رجل له حزم وعزم ومعرفة بالحروب . فقال الحارث بن عبد الله ( 2 ) :
لعمري ! لقد صدقتم فيما ذكرتم من أمر المهلب ، لكنه غائب بناحية خراسان كما
علمتم فكيف الرأي في ذلك ؟ فقالوا : الرأي أن تكتب إليه كتابا على لسان أمير
المؤمنين عبد الله بن الزبير وتبعث إليه رسولا من قبلك ، فلعله يرجع إلى بصرة ( 3 )
لحرب هؤلاء القوم .
قال : فعندها كتب الحارث بن عبد الله إلى المهلب بن [ أبي ] صفرة : بسم الله
الرحمن الرحيم ، من عند أمير المؤمنين ، أما بعد فإن عاملي بالبصرة كتب إلي كتابا
يذكر فيه أن قوما من خوارج الأزارقة المارقة خرجوا من البصرة بعد أن قتلوا سادات
هامش
( 1 ) في الكامل للمبرد 3 / 1326 أن الحارث بن عبد الله أراد تولية حارثة بن بدر الغداني ، وكان قد سأله
الولاية والمدد وكان حارثة ممن خرج لقتال الخوارج مع ابن عبيس ، وبعد هزيمة عثمان بن عبيد الله استمر
على حربهم ، ولما عزم الحارث على توليته قام إليه رجل من بكر بن وائل وقال له : إن حارثة ليس بذلك
إنما هو رجل شراب وفيه يقول رجل من قومه :
ألم تر أن حارثة بن بدر * يصلي وهو أكفر من حمار
ألم تر أن للفتيان حظا * وحظك في البغايا والعقار
فكتب إليه القباع : تكفى حربهم إن شاء الله .
وتوجه الزبير بن علي من أصحاب ابن الماحوز إلى البصرة ، فضج الناس إلى الأحنف ، فأتى القباع
فقال له : أصلح الله الأمير إن هذا العدو قد غلبنا على سوادنا وفيئنا ولم يبق إلا أن يحصرنا في بلدنا ،
قال : فسموا رجلا ، فقال الأحنف : ما أرى لها إلا المهلب بن أبي صفرة .
( 2 ) بالأصل : عبد الله بن الحرث .
( 3 ) بالأصل : مصره .