إلى وجوه أهل البصرة فجمعهم ، منهم الأحنف بن قيس التميمي ، وسويد بن
منجوف ( 1 ) الذهلي ، ومالك بن مسمع الجحدري ومن أشبههم من سادات العرب ،
فشاورهم في أمر الأزارقة . قال : فسكت ( 2 ) القوم ولم يشيروا بشيء ، وقال : انظرنا
الآن أيها الأمير ثلاثة أيام حتى ندبر رأيا في ذلك ونلقاك بعد ذلك إن شاء الله تعالى .
قال : ثم انصرف القوم إلى منازلهم وأنشأ الصلتان العبدي في ذلك يقول :
أما لسويد لا تشير ومالك * وأحنف ما بعد الثلاثة يذهب
وما لهم لا ينظرون لواحد * يدور عليه الرأي لا يتذبذب
ولو شهد الصهر المصلب أجمعوا * عليه جموعا ثم لم يتهيب
وكان الذي يثني الحسام باسمه * وأولهم بعد المهلب مطلب
فإن رجع الله المهلب لم نخف * عدوا له في الحرب ناب ومخلب
قال : ثم اتفقت آراء أهل البصرة على رجل من قريش يقال له مسلم بن
عبيس ( 3 ) بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف ، فمشوا إليه
وسألوه أن يسير إلى الأزارقة ، فأجاب إلى ذلك . ثم إنه جمع سبعمائة ( 4 ) رجل وخرج
إلى الأزارقة فالتقى بهم ( 5 ) .
وأقام ابن الحنفية بالطائف لا يرى ابن الزبير ولا يذكره ، ويقولون إن هذا
الرجل في نفر من أصحابه ، وقيل : إنهم كانوا أربعين رجلا . قال : وأنشد في
ذلك ( 6 ) :
هامش
( 1 ) عن جمهرة ابن حزم ، وبالأصل : " متخوف " .
( 2 ) الأصل : فسكتوا .
( 3 ) في الأصل : " قيس " وما أثبت عن الأخبار الطول والكامل للمبرد وزيد فيه : وكان دينا شجاعا .
( 4 ) في الأخبار الطوال ص 270 : خمسة آلاف فارس .
( 5 ) وكان نافع بن الأزرق قد اشتدت شوكته وكثرت جموعه وأقام بالأهواز يجبي الخراج ويتقوى به ثم أقبل
نحو البصرة حتى دنا من الجسر .
وقد سار إليه ابن عبيس في أبطال البصرة ولما نفذ من جسر البصرة أقبل على الناس فقال : إني ما
خرجت لإمتيار ذهب ولا فضة ، وإني لأحارب قوما إن ظفرت بهم فما وراءهم إلا سيوفهم ورماحهم ،
فمن كان الجهاد شأنه فلينهض ، ومن أحب الحياة فليرجع فرجع نفر يسير ومضى الباقون معه . فلما صاروا
بدولاب ( وهو موضع بقرب الأهواز ) خرج إليهم نافع فاقتتلوا قتالا شديدا حتى تكسرت الرماح وعقرت
الخيل وكثرت الجراح والقتل وتضاربوا بالسيوف فقتل في المعركة ابن عبيس .
( 6 ) الأبيات في مروج الذهب 3 / 95 ونسبت للسيد الحميري ( وهو إسماعيل بن محمد بن يزيد بن ربيعة بن
مفرغ الحميري ، شاعر مشهور ) وهي في ديوانه ص 379 .