قال لها معاوية : يا بنت خيثمة ( 1 ) ! ما الذي أقدمك من المدينة إلى ما قبلنا وعهدي بك
وأنت تشتمينا وتحرضين علينا عدونا ؟ فقالت أم سنان : إذا أخبرك يا معاوية ؟ إن لبني
عبد مناف أخلاقا طاهرة وأحسابا وافرة ( 2 ) ، فهم لا يجهلون بعد حلم ولا يكافون ( 3 ) بعد
عفو ، وإن أولى الناس بسنن آبائه لأنت يا معاوية ، فقال معاوية : صدقت نحن
كذلك ، ولكن ألست القائلة يوم صفين هذه الأبيات :
عذب ( 4 ) الرقاد فمقلتي لا ترقد * والليل يصدر بالهموم ويورد
يا آل مذحج لا مقام فشمروا * إن العدو لآل أحمد يقصد
هذا علي كالهلال تحفه ( 5 ) * وسط السماء من الكواكب أسعد ( 6 )
خير الخلائق وابن عم محمد * وكفاه فخرا في الأنام محمد ( 7 )
ما زال مذ عرف الحروب مظفرا * والنصر فوق لوائه قد يعقد ( 8 )
فقالت أم سنان : قد كان ذلك يا معاوية ، ولو كان علي حيا لما رأيناك وإننا
لنكون لك من علي خلفا . فقال رجل من جلساء معاوية :
يا أخت بني مذحج ! أو لست القائلة هذه الأبيات ( 9 ) .
أما هلكت أبا الحسين فلم تزل * بالحق تعرف هاديا مهديا
فاذهب عليك صلاة ربك ما دعت * فوق الغصون حمامة قمريا
قد كنت بعد محمد خلفا لنا * أوصى إليك بنا وكنت وفيا
فاليوم لا خلف نؤمل بعده * هيهات نمدح بعده إنسيا
هامش
( 1 ) في صبح الأعشى 1 / 258 سنان بنت جشمية بن خرشة المذحجية . وفي العقد الفريد 1 / 339 بنت
جشمة .
( 2 ) العقد الفريد . " وأحلاما وافرة " وفي صبح الأعشى : وأعلاما ظاهرة .
( 3 ) العقد الفريد : " ولا ينتقمون بعد عفو " وفي الصبح : ولا يشتمون بعد عفو .
( 4 ) العقد والصبح : عزب .
( 5 ) عن العقد والصبح ، وبالأصل : بحقه .
( 6 ) سعود النجوم عشرة : أربعة منها من منازل القمر ، وست ليست من منازله .
( 7 ) في العقد والصبح : إن يهدكم بالنور منه تهتدوا .
( 8 ) في العقد والصبح : ما يفقد .
( 9 ) الأبيات في العقد 1 / 340 وصبح الأعشى 1 / 258 .