ويثبّطهم ويقول : أيّها الناس ، إنّ أصحاب محمّد الّذين صحبوه أعلم بالله ( 1 ) ورسوله
ممّن لم يصحبه ، وإنّ لكم علينا حقّ النصيحة ، وإنّ هذه فتنة صمّاء ولقد سمعت
رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : ستكون فتنة القاعد فيها خيرٌ من القائم ، والقائم خيرٌ من الماشي ،
والماشي خيرٌ من الراكب ، وقد جعلنا الله تعالى إخواناً وحرّم علينا دماءنا وأموالنا ( 2 ) .
هامش
( 1 ) في ( ب ) : فالله .
( 2 ) نقل هذا الكلام الّذي صاغه الأشعري وجعله من أحاديث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بعد أن ثبّط أهل الكوفة في
واقعة الجمل كلّ من مروج الذهب : 2 / 367 ، والكامل لابن الأثير : 3 / 221 ، و : 2 / 327 ط أُخرى ،
وتاريخ الطبري : 3 / 393 و 498 ، و : 5 / 187 ط أُخرى . وابن قتيبة في الإمامة والسياسة : 1 / 85
أوردها هكذا : إنّ هذه الفتنة النائم فيها خير من اليقظان ، والقاعد خير من القائم ، والقائم خير من
الساعي ، والساعي خير من الراكب ، فاغمدوا سيوفكم حتّى تتجلّى هذه الفتنة . . . دون أن يذكر أنه قال :
سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وهذا يدلّنا على أنها ليست حديثاً لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .
أمّا ابن أعثم فقد ذكر ذلك في الفتوح : 1 / 462 دون إسناد المقولة إلى أحاديث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بل
قال : وثب أبو موسى الأشعري وهو يومئذ عامل عليها - الكوفة - فقال : يا أهل الكوفة اتقوا الله
( وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ . . . ) وقال أيضاً ( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُه جَهَنَّمُ . . . ) قال : فغضب عمّار بن
ياسر ، ثمّ وثب أبو موسى فأسكته .
ثمّ جاءت المفاجأة الثانية من عمّار مناشداً أبا موسى الأشعري قائلا : يا أبا موسى أُنشدك الله ، ألم
تسمع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : من كذب عليَّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار ، وأنا مسائلك عن حديث . فإن
صدقت وإلاّ بعثت عليك من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من يقرّرك به ، أُنشدك الله ، أليس إنّما عناك
رسول الله أنت نفسك فقال : انها ستكون فتنة بين أمّتي أنت - يا أبا موسى - فيها نائماً خير منك قاعداً ،
وقاعداً خير منك قائماً ، وقائماً خير منك ماشياً ، فخصّك رسول الله ولم يعمّ الناس . فخرج أبو موسى
ولم يرد عليه شيئاً . رواه ابن عساكر وأبو يعلى ( انظر أيضاً كنز العمّال : 7 / 246 ، و : 11 / 274 ) .
وحديث الفتنة الّتي يكون فيها القاعد خير من القائم رواه أبو داود ح 4262 ولكنه لم يخصّ فيه
أبا موسى . وهنالك حوار آخر نقله ابن عساكر كما في الكنز : 13 / 608 عن أبي نجاء قال : كنت
جالساً مع عمّار ، فجاء أبو موسى قال : مالي ومالك ، ألست أخاك ؟ فقال عمار : ما أدري ولكني سمعت
رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يلعنك ليلة الجبل ؟ قال أبو موسى : قد استغفر لي ، فقال عمار : قد شهدتُ اللعن ولم أشهد
الاستغفار .
ولهذا وغيره نجد الإمام عليّ ( عليه السلام ) يكتب رسالة إلى أبي موسى الأشعري ، وهو عامله على الكوفة ،
وقد بلغه عنه تثبيطه الناس عن الخروج إليه لمّا ندبهم لحرب أصحاب الجمل .
مِنْ عبد الله عَلِيٍّ أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس . أمّا بَعْدُ ، فقد بلغني عنك قولٌ هو لك وعليك ،
فإذا قدم رَسُولي عليك فارفع ذيلك ، واشدُد مئزرك ، واخْرُجْ من جُحْرِكَ ، واندُب مَنْ مَعَكَ ; فإنْ حقّقْتَ
فانفُذْ ، وإنْ تفشّلْتَ فابعُدْ ، وأيم الله لتؤتينَّ من حيثُ أنْتَ ، ولا تُتركُ حتّى يُخلَطَ زُبْدُكَ بخاثِرِكَ ، وذائبُكَ
بجَامِدِكَ وحتّى تُعجَلَ عَنْ قعدتِكَ ، وتحذر من أَمامِكَ كحذرك مِنْ خَلْفِكَ وما هي بالْهُويْنَى الّتي ترجو ،
ولكنّها الداهية الكبرى ، يُركَبُ جَمَلُهَا ، ويذلّلّ صَعْبُهَا ويُسهّلُ جَبَلُها . فاعقل عقلك واملِك أمرك ، وخذ
نَصيبكَ وحظّك ، فإن كرهت فتنحَّ إلى غير رحب ولا في نجاة ، فبالحريِّ لتُكْفَينَّ وأنت نائم ، حتّى لا
يُقال : أينَ فُلانٌ ؟ والله إنّهُ لحقٌّ مع مُحقٍّ ، وما أُبالي ما صَنَع المُلحِدُونَ ، والسّلاَمُ . ( نهج البلاغة لصبحي
الصالح : الكتاب رقم 63 / 453 ) .
أمّا الحديث الّذي رواه الأشعري فهو مروي عن أبي هريرة كما جاء في صحيح البخاري : 9 / 64
دار إحياء التراث العربي : قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها
خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي ، من تشرّف لها تَسْتَشْرِفْهُ ، فمن وجد فيها ملجأً أو
معاذاً فليعُذ به . ولا نريد التعليق على الراوي اليماني الّذي اختُلف في اسمه ، فقيل : إنه عبد الرحمن ،
وقيل عامر ، وقيل : غير ذلك ، كان من أصحاب الصفة يتصدّق عليه المسلمون وقد صحب النبيّ ( صلى الله عليه وآله )
ثلاث سنين ، وقد ذكره ابن كثير في البداية والنهاية : 8 / 103 - 115 بقوله قال : يزيد بن هارون :
سمعت شعبة يقول : أبو هريرة كان يدلّس . ذكره ابن عساكر . . . وروى الأعمش عن إبراهيم قال : ما كانوا
يأخذون بكلّ حديث أبي هريرة .
استعمله عمر بن الخطّاب في أيام إمارته على البحرين . وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء :
2 / 578 عن همام بن يحيى . . . أن عمر قال لأبي هريرة : كيف وجدت الإمارة ؟ قال : بعثتني وأنا كاره
ونزعتني وقد أحببتها . وأتاه بأربعمائة ألف من البحرين ، فقال : ما جئت به لنفسك ؟ قال : عشرين ألفاً ،
قال : من اين أصبتها ؟ قال : كنت ابحر ، قال : انظر رأس مالك ورزقك فخذه واجعل الآخر في بيت المال .
وراجع أيضاً الإصابة : 12 / 63 ، وتهذيب التهذيب : 12 / 262 .