- مستمسك العروة الوثقى جلد : 12 من صفحة 223 سطر 1 إلى صفحة 226 سطر 23 [ ( السابعة عشرة ) : لا بأس بأخذ الأجرة على الطبابة وإن كانت من الواجبات الكفائية ، لأنها كسائر الصنائع واجبة بالعرض ( 1 ) لانتظام معائش العباد . بل يجوز وإن وجبت عينا لعدم من يقوم بها غيره . ويجوز اشتراط كون الدواء عليه ] ( 1 ) الظاهر : أنه تعليل لكونها من الواجبات الكفائية ، لا لجواز أخذ الأجرة . نعم في النسخ التي رأيتها بدل قوله : " واجبة بالعرض " . " واجبة بالعوض " ، فيكون تعليلا لجواز أخذ الأجرة . يعني : إنما جاز أخذ الأجرة عليها لأنها واجبة بالعوض لا مجانا ، فقد أخذ في موضوع الوجوب العوض . لكن الظاهر أنه غلط ، لأنها واجبة بالعوض وبغير عوض ، وإلا لما كان فعلها مجانا أداء للواجب . ثم إنك عرفت في مواضع من هذا الشرح التعرض لجواز أخذ الأجرة على الواجبات وعدمه ، وأنه لم يقم دليل على عدم جواز أخذ الأجرة على الواجب ، وأن وجوب الشيء لا يمنع من أخذ الأجرة عليه . فالعمدة في عدم جواز أخذ الأجرة على الواجبات في بعض المقامات عينية وكفائية : هو الإجماع ولولاه لكان القول بجوازه في محله . ويشهد لذلك جواز أخذ الأجرة على الواجبات الكفائية ، التي يتوقف عليها النظام ، إذ الوجوب لو كان مانعا لم يفرق في منعه بين العيني والكفائي . وما في بعض الحواشي من الفرق بين الواجبات العينية والكفائية بأن الوجوب في الواجبات الكفائية عبارة عن الإلزام بعدم حبسها عمن يحتاج إليها ، فلا يكون مخرجا لذات العمل عن ملك مالكه ، ويجوز أخذ الأجرة عليه . غير ظاهر ، إذ الحبس ترك العمل ، فعدم الحبس هو العمل . ولو أراد من الحبس معنى وجوديا ، فعدمه ليس مقدمة للنظام ، بل المقدمة هو العمل ضرورة . [ مع التعيين الرافع للغرر ( 1 ) . ويجوز أيضا مقاطعته على المعالجة ( 2 ) إلى مدة أو مطلقا ( 3 ) ، بل يجوز المقاطعة عليها بقيد البرء ، أو بشرطه إذا كان مظنونا ( 4 ) ، بل مطلقا ( 5 ) . وما قيل من عدم جواز ذلك ، لأن البرء بيد الله فليس اختياريا ] ( 1 ) لعموم صحة الشرط كشرط كون الخيوط على الخياط ، والحبر على الكاتب . وفي القواعد قال : " والكحل على المريض . ويجوز اشتراطه على الكحال " . وحكي التصريح به عن غيره . وقد يستشكل فيه : بأن مناف للعقد ، لأن الأعيان لا تملك بعقد الإجارة أصالة ، ولا تبعا . بل قيل : قد يرجع إلى بيع الكحل بلفظ الشرط . وفيه : أنه لا دليل على المنع من تمليك العين بالشرط في الإجارة ، وعموم صحة الشرط يقتضي الصحة . مع أن الشرط المذكور لا يقتضي التمليك ، وإنما يقتضي بذل الكحل مجانا ، فلا إشكال حينئذ . لكن قال في القواعد بعد ذلك : " ولو اشترط الدواء على الطبيب فالأقرب الجواز " . والفرق بين المسألتين غير ظاهر ، كما اعترف به بعض . ( 2 ) يريد بها المداواة واستعمال الأدوية لمكافحة المرض . ( 3 ) لكن مع عدم التقييد بالمدة وترددها بين القليل والكثير يلزم الغرر . اللهم إلا أن يكون المرض متعينا بنحو خاص ، فيستأجر الطبيب على مداواته ، فيجب تعينه كافيا في رفع الغرر مثل الصداع ونحوه ، نظير خياطة الثوب المردد زمانها بين القليل والكثير ، لكن تعين الثوب كاف في رفع الغرر . ( 4 ) الفرق بينهما ظاهر ، إذ في الأول يكون البرء مقوما لموضوع الإجارة ، وفي الثاني يكون غير مقوم ، بل وصفا فيه على نحو تعدد المطلوب . ( 5 ) يعني : وإن لم يكن مظنونا ، لأن المصحح للإجارة القدرة [ له ، وأن اللازم مع إرادة ذلك أن يكون الجعالة لا الإجارة ( 1 ) ، ] الواقعية ، لا العلم بها أو الأعم منه ومن الظن ، بل تصح الإجارة مع احتمال القدرة ، فإذا تبين عدم المقدرة انكشف البطلان . اللهم إلا أن يحصل الغرر مع عدم الظن بالحصول ، فتبطل لذلك ، لا لعدم القدرة . لكنه يتوقف على عموم نفي الغرر للإجارة ، وقد عرفت الإشكال فيه . ( 1 ) قال في القواعد : " ولو جعل له على البرء صح جعالة لا إجارة " . وفي جامع المقاصد : " أما عدم صحته إجارة : فإن ذلك ليس من مقدور الكحال ، وإنما هو من فعل الله سبحانه . وأما صحته جعالة : فلأن السبب إلى حصوله كاف في استحقاق الجعل إذا حصل ، وإن كان من فعل الله تعالى " . أقول : كونه من فعل الله تعالى كما يمنع من صحة الإجارة عليه يمنع من صحة الجعالة ، لأن الجعالة إنما تكون على فعل المجعول له ، فإن إذا قال مالك العبد : إذا رددت عبدي فلك درهم ، فرده غير المخاطب ، لا يستحق المخاطب الجعل . وإن كان المراد من كونه من فعل الله سبحانه : أنه من فعله تعالى بنحو لا ينافي نسبة البرء إلى الكحال ، فلا يمنع من صحة الإجارة عليه . نعم الفرق بين الإجارة والجعالة : أن الإجارة تتضمن تمليك المستأجر عمل الأجير ، والجعالة لا تتضمن ذلك . ولأجل هذا الفرق امتنع وقوع الإجارة على غير المقدور ، وجاز وقوع الجعالة عليه ، مع الاحتفاظ بصحة النسبة إلى المجعول له ، وعدم القدرة لا ينافي صحة النسبة ، وإن كان ينافي صحة التملك . وكأن مراد جامع المقاصد من قوله : " يفعل الله تعالى " معنى لا ينافي صحة النسبة ، وإن كان مانعا من القدرة ، فيكون المراد من التعليل أن البرء غير مقدور للكحال ، فلا تصح الإجارة عليه وإن [ فيه : أنه يكفي كون مقدماته العادية اختيارية ( 1 ) . ] صحت الجعالة عليه ، لصحة نسبته إلى المجعول له ، كما أفاد في المتن . ( 1 ) المائز بين الفعل الاختياري وغيره : أن الاختياري : ما يكون جميع مقدماته اختياريا ، أو بعضها اختياري وبعضها غير اختياري . مع كون غير الاختياري متحققا في ظرفه . وغير الاختياري : ما يكون جميع مقدماته غير اختياري ، أو بعضها اختياري وبعضها غير اختياري مع كون غير الاختياري غير متحقق . مثلا : نقل المتاع في السفينة من بلد إلى آخر ، يتوقف على وضع المتاع في السفينة ، وسحب السفينة في الماء ، وعلى وجود الماء . ولا ريب أن وجود الماء غير اختياري ، لكن لما كان الماء موجودا ، كان نقل المتاع اختياريا ، وإذا اتفق غور الماء صار نقل المتاع غير اختياري ، فعلى هذا قد يكون البرء اختياريا ، كما إذا كانت مقدماته غير الاختيارية متحققة ، وقد يكون غير اختياري ، كما إذا كانت مقدماته غير الاختيارية غير متحققة ، فإطلاق أن البرء غير مقدور غير ظاهر . وفي حاشية بعض الأعاظم على المقام : " إنما يكفي اختيارية المقدمات في اختيارية ذيها ، إذا كان كمخيطية الثوب مثلا أثرا متولدا منها ، ولم يتوسط في البين مقدمة أخرى غير اختيارية ، وإلا كانت هي الأخير من أجزاء علته ويستند الأثر إليها ، ويكون تابعا لها في عدم المقدورية ، ولا يصح الالتزام به الإجازة ، أو الاشتراط ، أو غير ذلك ، وظاهر أن برء المريض وكذا سمن الدابة ونحوهما من ذلك . . . " . والإشكال فيه يظهر مما ذكرنا ، فإن توسط بعض المقدمات غير الاختيارية إذا كانت متهيئة لا يقدح في اختيارية ذيها ، كما عرفت . ولا فرق بين المخيطية وبين برء المريض وسمن الدابة في كونها اختيارية ، إذا كانت المقدمات غير الاختيارية متهيئة . نعم تختلف من حيث السرعة والبطء .
فقه الطب — صفحة 3393
مساهمون: مركز المعجم الفقهي
ص٣٣٩٣