الأمر الأوّل : في معنى البيّنة الكاملة
قد مرّ عن المبسوط ( 1 ) أنّ المعتبر كون البيّنة من أهل الخبرة الباطنة والمعرفة المتقادمة ،
وهي أن تكون البيّنة خبيرة بباطن أمره ولو كان له ولد عرّفاه ، والخبرة المتقادمة حتّى
لا يخفى عليها قديم أمره وجديده . ولكنّه يلزم تركيب الشهادة من العلم بوارثيّة زيد
وعمرو الغائب مثلاً وعدم وارثيّة آخر بحيث لو لم تشهد بأنّه لا وارث سواهما ، لا يترتّب
على تلك الشهادة جميع أحكام البيّنة الكاملة ، بل يلزم على الحاكم الفحص عن وجود
وارث آخر ، ثمّ تقسيم المال . فالبيّنة الكاملة ما كانت الشهود فيها من أهل المعرفة والخبرة
القديمة والشهادة على الإثبات والنفي ، وهذا يستفاد من القواعد وصريح الدروس ( 2 ) بل
ما في الإرشاد أيضاً إذ قال : " . . . وأقام بيّنة كاملة ، فإن شهدت بنفي وارث غيرهما ، سلّم
إليه النصف . . . " ( 3 ) وتفسير المحقّق الأردبيلي ( رحمه الله ) لكلامه ( 4 ) مؤيّد لنا ، فما في الجواهر من أنّ
المراد بكمال البيّنة ، الشهادة بالنفي فقط وأنّ قول الماتن ( رحمه الله ) : " وشهدت أنّها لا تعلم وارثاً
غيرهما " بمنزلة التفسير لما قبله ( 5 ) ، لا وجه له ، إذ البيّنة ذات المعرفة الكاملة إذا شهدت ،
شهدت بأنّ زيداً وعمراً الغائب وارثا ميّت ، وأنّه لا وارث له سواهما ، أو لا نعلم وارثاً
غيرهما . والشهيد الثاني ( رحمه الله ) وجّه تفسير الكاملة في كلمات الفقهاء ، وقال : " اختلفت
عبارات الأصحاب في معنى البيّنة الكاملة ههنا ، فمقتضى عبارة المصنّف والأكثر أنّ
المراد بها ذات الخبرة والمعرفة بأحوال الميّت ، سواء شهدت بأنّها لا تعلم وارثاً غيرهما أم
هامش
1 - المبسوط ، ج 8 ، صص 274 و 275 .
2 - قواعد الأحكام ، ج 3 ، ص 480 - الدروس الشرعيّة ، ج 2 ، صص 108 و 109 .
3 - إرشاد الأذهان ، ج 2 ، ص 153 .
4 - مجمع الفائدة والبرهان ، ج 12 ، ص 269 .
5 - جواهر الكلام ، ج 40 ، ص 508 .