الفرع الثاني : في جواز المقاصّة من غير جنس الحقّ
لا إشكال في جواز المقاصّة في الموارد المجاز من غير جنس الحقّ إذا لم يمكن
الأخذ من جنسه دفعاً للضرر وعملاً بعموم صحيحة داود ، وكون القدر المتيقّن من العموم
والإطلاق ذلك ( 1 ) . نعم ذهب جماعة من العامّة مثل أبي حنيفة وبعض الحنابلة إلى وجوب
الاقتصار على الجنس ( 2 ) ولكنّ المهمّ أنّه هل يتوقّف الأخذ من غير الجنس على تعذّر
الأخذ من الجنس أم لا ؟
قد مرّ أنّ القاعدة الأوّليّة عدم جواز المقاصّة من مال الغير لعدم حلّيّة التصرّف في مال
الغير من دون إذن المالك أو الشارع . وقد ورد ما يدلّ على جواز أخذ حقّ المدّعي .
فاللازم الدقّة في فهم الإطلاق أو العموم له ، فمثلاً لو كان الدين مائة منّ من الحنطة وأمكن
أخذ الحنطة كذلك ، فهل يمكن له أخذ العدس بقيمتها ؟ أم يجب الاقتصار على الحنطة ؟
فالشهيدان ( رحمهما الله ) وجماعة قالوا بالاقتصار على الأخذ من الجنس الموافق لحقّه مع الإمكان
اقتصاراً في التصرّف في مال الغير المخالف للأصل على أقلّ ما تندفع به الضرورة ( 3 ) .
وعن بعض جواز ذلك للعمومات وعدم دليل على تعيين الجنس حين إمكانه وهو
مختار الماتن ( رحمه الله ) ظاهراً والمحقّق النراقي ( رحمه الله ) وغيره ( 4 ) .
وأقول بالاقتصار على الجنس مهما أمكن لعدم دليل عامّ أو مطلق في المقام ، إذ مورد
صحيحة داود كون المدين قيميّاً مثل الجارية والدابّة وظاهر حسنة الحضرمي كون المراد
من المال النقود كما هو صريح صحيحة البقباق وكذلك خبر علي بن سليمان وغيرها ،
والاحتياط في الأمانات وحفظ أموال المسلمين وغيرها أيضاً يقتضي ذلك .
هامش
1 - راجع : مسالك الأفهام ، ج 14 ، ص 74 - الدروس الشرعيّة ، ج 2 ، ص 85 - مستند الشيعة ، ج 17 ، ص 453 .
2 - راجع : المغني مع الشرح الكبير ، المصدر السابق .
3 - راجع : الدروس الشرعيّة ، المصدر السابق - مسالك الأفهام ، المصدر السابق - مستند الشيعة ، ج 17 ، ص 454 .
4 - راجع : مستند الشيعة ، المصدر السابق .