والقرعة في القضاء إنّما تكون لكلّ مجهول كما في بعض الروايات أو مشكل ومشتبه
كما هو المشهور في الألسن ، والمراد بالمجهول والمشكل أو المشتبه ، هو المجهول مطلقاً
بحيث لا يكون سبيلاً إلى رفعه حقيقة أو اعتباراً ، ولا يكون عليه طريق أو أمارة شرعاً أو
عقلاً أو عقلائيّاً حتّى يكون مخرجاً فيه . فمتى كان له سبيل ولو بالمال وإن كان مشكلاً في
بدو الأمر ، فلا تجري فيه القرعة ، لأنّه ليس بمشكل واقعاً ، لوجود طريق عقلائيّ أو شرعيّ
لرفع إشكاله . هذا ما نفهم من روايات الباب والموارد التي عملوا فيها بالقرعة ( 1 ) .
فإذا كان تعيين الحقّ والقسم وغيره مشكلاً في زمان بحيث لا طريق إليه وغير مشتبه
في زمان آخر لوجود طرق علميّة لرفع الإشكال ، فلا يبعد أن يحكم بالقرعة في زمن
المعصومين ( عليهم السلام ) في تعيين الحقوق في بعض الموارد ولا نحكم بها الآن ، كما في صحيحة
سليمان بن خالد عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : " قضى عليّ ( عليه السلام ) في ثلاثة وقعوا على امرأة في
طهر واحد - وذلك في الجاهليّة قبل أن يظهر الإسلام - فأقرع بينهم فجعل الولد للذي قرع
وجعل عليه ثلثي الدية للآخرين ، فضحك رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حتّى بدت نواجذه ، وقال : ما أعلم
فيها شيئاً إلاّ ما قضى عليّ ( عليه السلام ) . " ( 2 ) ونحوه ما رواه الحلبي بسند تامّ عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ( 3 ) .
ففي هذه العصور الراهنة يمكن للأطبّاء أن يعيّنوا الولد والوالد بين المشتبهين بطرق
علميّة موثوقة ، فلا إشكال أصلاً فارتفع الحكم بالقرعة وإن ورد في خصوصه النصّ ، فتدبّر .
أمّا ما قيل من أنّ القرعة مختصّة بما إذا كان هناك واقع مجهول فلا وجه للرجوع إليها
في غيره ، فهو مندفع بأنّ بعض روايات القرعة وردت فيما إذا لم يكن هناك واقع مجهول
كصحيحة إبراهيم بن عمر عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) : " في رجل قال : أوّل مملوك أملكه فهو حرّ
هامش
1 - ذكر بعض الموارد المحقّق المراغي في العناوين ، ج 1 ، صص 349 و 350 .
2 - وسائل الشيعة ، الباب 57 من أبواب نكاح العبيد والإماء ، ح 2 ، ج 21 ، ص 171 ؛ ونحوه أحاديث الباب .
3 - نفس المصدر ، الباب 13 من أبواب كيفيّة الحكم ، ح 1 ، ج 27 ، ص 257 ؛ ونحوه ح 5 و 7 و 14 .