وعليه فمن دقّق النظر فيما ورد في ذلكم الباب من أخبار ، يجدها بأنّها قد وردت في
مقام تصحيح المتداول بين الناس من أيمان ، في مسالكها المتعدّدة وعباراتها المختلفة ؛
فالنهي عن ذلك الذي يقع فيه انحراف ويؤدّي إلى الأباطيل ، وذلك الذي يشمّ منه رائحة
الكفر والشرك ، وبالتالي إقامة ما هو الصحيح مقامه .
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ اليمين والحلف المتداول المتعارف بين الناس ، إنّما يراد
بإنشائه تأكيد المدّعى ، بحيث يعتقد المخاطب ويؤمن عند سماع الحلف بأنّ المتكلّم
صادق في مدّعاه ومؤمن وعارف بقوله . والإسلام - فيما يبدو - يقبل بمثل ذلك النوع من
الحلف المتداول .
نعم ، هو يبدي حكمه في تصحيحه ، وذلك من جهة ألفاظ القسم المستعملة ، ثمّ عمّا
ينبغي مراعاته من آداب عند الحلف ، بالإضافة إلى ما يجدر أن يقسم به . وما ذلك إلاّ لأنّ
اليمين كلام إنشائي ، يقول المتكلّم ذلك لبيان أهمّيّة مراده ، وتأكيد مقصده للمخاطب
حتّى يعتقد بصدقه .
وإذا اتّضح ما قلناه سابقاً ، فلنتساءل هنا : إذن ، ما هو الوجه وما المبرّر في قولنا : إنّ
الكافر الملحد المنكر لجميع المعتقدات الإسلاميّة ، لابدّ من أن يحلف بالله في حين أنّه
لا يعتقد بوجوده ؛ بمعنى : أنّه يحلف بشيء ليس له وجود في عقيدته ؟
ثمّ كيف يمكن له إنشاء الكلام بإرادة جدّيّة ؟ وكيف يعرف منه القصد ؟ علماً بأنّه ليس
في أخبار الباب ما يشمّ منه رائحة توضيح وبيان لذلك .
فإن قلت : إذا كان الأمر على ما تقول ، فلا يستحلفه المدّعي طبعاً ، لأنّ حلف المنكر
ليس بأمر حتميّ ، وإنّما هو لازم فيما إذا استحلفه المدّعي ، فإذا كان المنكر حاله كذلك
فلا يستحلفه ، وما الاستحلاف إلاّ دليل على أنّ المورد هنا ليس من الموارد التي
ذكرتموها .
قلت : إنّ الحلف ليس مختصّاً بموارد الإنكار والاستحلاف ، بل هو يأتي كذلك في
فقه القضاء — صفحة 219
مساهمون: السيد عبد الكريم الموسوي الاردبيلي
ص٢١٩