وبالنسبة للمنافق فالأمر على العكس ، حيث تجده أيضاً يعمل ويداوم على الواجبات
وترك المحرّمات ، كما أنّه أيضاً يتجنّب المكروهات ويتقيّد بإتيان المستحبّات ، بيد أنّه مع
ذلك ، يفعل ما يفعل من الجرائم والمعاصي خفية لأنّ أعماله لم تكن لامتثال أوامر الله
جلّ وعلا ، وإنّما لدواع مختلفة غير ربّانيّة . وهو وإن كان مشمولاً بهذا التعريف ، لكنّه
لا يسمّيه أحد عادلاً قطعاً ، وإن كان عمله بصورة عمل من تظهر منه العدالة . وكذا الأمر
بالنسبة لكلّ من كان حديث عهد ببلوغ التكليف ولم يجد الفرصة لارتكاب المعاصي ، مع
أنّه رجل شرّير ، بمعنى أنّه كلّما وجد الفرصة مناسبة له ، عمد إلى أعماله الشرّيرة ينفّذها .
وعليه ، فمثل هذا الشخص لا يسمّيه أحد عادلاً . والسرّ في ذلك أنّ اشتراط العدالة في
الشاهد وفي القاضي ، ليس أمراً تعبّديّاً محضاً ، بل لأجل المحافظة على الحقوق والأموال
والنفوس . فالشاهد الذي ارتكب أعمالاً قبيحة وبعدها مباشرة أدرك البلوغ ولم يجد
فرصة لارتكابها بعد البلوغ ، لا يقول أحد بقبول شهادته أو قضائه ، بسبب أنّه لم يرتكب
المعاصي بعد البلوغ وأمّا قبله فلم يكن مكلّفاً .
فالعادل في آرائهم وأقوالهم ، هو الذي يجمع تلك الصفات . واختلاف الآراء والأقوال
في أنّه لأيّ جهة منها يسمّى عادلاً ، مطلب لا يهتمّ به . وذلك لعدم ترتّب أيّ ثمرة على هذا
الاختلاف . نعم ، يمكن أن يكون بعض تلك الآراء والأقوال ، أدقّ من الآخر ، فتلك مسألة
أخرى . وأخيراً نقول : ليعلم أنّ أحداً من تلكم التعريفات ، ليس بتعريف منطقي جامع مانع ،
من حيث مراعاة الذاتيّات والعوارض في التعريف حتّى يقال بشأن كلّ واحد منها أنّها
غير مطّرد أو غير منعكس . وأمّا قول صاحب الجواهر ( رحمه الله ) بأنّ العدالة هي حسن الظاهر ( 1 ) ،
فلا شاهد عليه ولا دليل ومخالف لظاهر روايات الباب .
هامش
1 - جواهر الكلام ، ج 40 ، ص 130 .