يقول أنه لا يراه صاحبه وأنه عمل ضائع عند الله عز وجل من مسلم مؤمن ومعاذ الله من هذا وسر هذا القول الملعون وحقيقته التي لا بد لقائله منه أنه لا معنى لمن أصر على الزنا أو شرب الخمر في أن يصلي ولا أن يزكي فقد صار يأمر بترك الصلاة الخمس والزكاة وصوم رمضان والحج فعلى هذا القول وقائله لعائن الله تتري ما دار الليل والنهار ونص السمناني عن الباقلاني شيخه أنه كان يقول أن الله تعالى لا يغفر الصغائر باجتناب الكبائر
قال أبو محمد وأن سمعت بعض مقدميهم ينكر أن يكون في الذنوب صغائر وناظرته بقول الله تعالى « إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم » وقلت بالضرورة يدري كل ذي فهم أن لا كبائر إلا بالإضافة إلى ما هو أصغر منها وهي السيئات المغفورة باجتناب الكبائر بنص كلام الله تعالى فقولك هذا خلاف للقرآن مجرد فخلط ولجأ إلى الحرد وهذا منهم تكذيب لله عز وجل ورد لحكمه بلا كلفة ومن شنعهم الممزوجة بالهوس وصفاقة الوجه قولهم أن لا حر في النار ولا في الثلج برد ولا في العسل حلاوة ولا في الصبر مرارة وإنما خلق الله تعالى ذلك عند اللمس والذوق وهذا حمق عتيق قادهم إليه إنكارهم الطبائع وقد ناظرناهم على ذلك هذا مع قول شيخهم الباقلاني أن لقشور العنب رائحة للزجاج والحصا طعما ورائحة وزادوا حتى بلغوا إلى أن قالوا أن للفلك طعما ورائحة فليت شعري متى ذاقوه أو شموه أو من أخبرهم بهذا وهذا لا يعرفه إلا الله ثم الملائكة الذين هنالك وليكن من ذاق طعم الزجاج وشم رائحته فغير منكر أن يدعي مشاهدة الفلك ولمسه وشمه وذوقه ومن شنعهم قولهم أن من كان الآن على دين الإسلام مخلصا بقلبه ولسانه مجتهدا في العبادة إلا أن الله عز وجل يعلم أنه لا يموت إلا كافرا فهو الآن عند الله كافرا وان من كان الآن كافرا يسجد للنار وللصليب أو يهوديا أو زنديقا مصرحين بتكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا إن في علم الله تعالى أنه لا يموت إلا مسلما فإنه الآن عند الله مسلم
قال أبو محمد ما قال هذا مسلم قط قبل هشام الغوطي وهذه مكابرة للعيان وتكذيب لله عز وجل مجرد كأنهم ما سمعوا قط قوله تعالى « ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا » فسماهم مؤمنين ثم أخبر تعالى بأنهم كفروا وقوله تعالى « ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر » فجعل الإسلام دينا لما كان عليه إذ كان عليه وإن ارتد معه ومات كافرا وقوله تعالى مخاطبا
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 219
مساهمون: ابن حزم
ص٢١٩