تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
وهكذا نقول أنه لو عمل الإنسان دهره كله ما استحق على الله تعالى شيئا لأنه لا يجب على الله تعالى شيء إذ لا موجب للأشياء الواجبة غيره تعالى لأنه المبتدئ لكل ما في العالم والخالق له فلولا أن الله تعالى رحم عباده فحكم بأن طاعتهم له يعطيهم بها الجنة لما وجب ذلك عليه فصح أنه لا يدخل أحد الجنة بعمله مجردا دون رحمة الله تعالى لكن يدخلها برحمة لله تعالى التي جعل بها الجنة جزاء على أعمالهم التي أطاعوه بها ما اتفقت الآيات مع هذا الحديث والحمد لله رب العالمين ( قال أبو محمد ) فإذا لا شك في هذا كله فقد امتنع يقينا أن يجازى بالأفضل من كان أنقص فضلا وأن يجارى بالأنقص من كان أتم فضلا وصح ضرورة أنه لا يجزى أحد من أهل الأعمال في الجنة إلا بم استحقه برحمة الله تعالى جزاء على عمله ولله تعالى أن يتفضل على من شاء بما شاء وجائز أن يقدم على ذوي الأعمال الرفيعة قال تعالى « يختص برحمته من يشاء » وقال تعالى « ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء » فلا يجوز خلاف هذه النصوص لأحد لأن من خالفها كذب القرآن ولولا هذه النصوص لما أبعدنا أن يعذب الله تعالى على الطاعة له وأن ينعم على معصيته وأن يجازي الأفضل بالأنقص والأنقص بالأفضل لأن كل شيء ملكه وخلقه لا مالك لشيء سواه ولا معقب لحكمه ولا حق لأحد عليه لكن قد أمنا ذلك كله بإخبار الله تعالى أنه لا يجازى ذا عمل إلا بعمله وأنه يتفضل على من يشاء فلزم الإقرار بكل ذلك وبالله تعالى التوفيق فلو قال قائل إنما فضل في الجنة وأعلى قدرا مكان إبراهيم ابن رسول الله عليه وسلم أو مكان أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم قلنا مكان إبراهيم أعلى بلا شك ولكن ذلك المكان اختصاص مجرد لإبراهيم المذكور لم يستحقه بعمل ولا استحق أيضا أن يقصر به عنه ومواضيع هؤلاء المذكورين جزاء لهم على قدر فضلهم وسوابقهم وكذلك نساؤه صلى الله عليه وسلم مكانهم جزاء لهن على قدر فضلهن وسوابقهن فلا يقال أن إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من أبي بكر أو عمر ولا يقال أيضا أن أبا بكر وعمر أفضل من إبراهيم والمفاضلة واقعة بين الصحابة وبين نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن أعمالهم وسوابقهم لها مراتب متناسبة بلا شك فإن قال قائل أنهن لولا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حصلن تلك الدرجة وإنما تلك الدرجة له عليه السلام قلنا وبالله تعالى التوفيق