الهوى إن هو إلا وحي يوحى » فصح أن كلامه عليه السلام أحب الناس إليه وحي أوحاه الله تعالى إليه ليكون كذلك ويخبر بذلك لا عن هوى له ومن ظن ذلك فقد كذب الله تعالى لكن لاستحقاقها لذلك الفضل في الدين والتقديم فيه على جميع الناس الموجب لأن يحبها رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من محبته لجميع الناس فقد فضلها رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبيها وعلى عمرو وعلى علي وعلى فاطمة تفضيلا ظاهرا بلا شك فإن قال قائل فقل أن إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم لكونه مع أبيه عليه السلام في الجنة في درجة واحدة قلنا له وبالله تعالى التوفيق أن إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما استحق تلك المنزلة بعمل كان منه وإنما هو اختصاص مجرد وإنما تقع المفاضلة بين الفاضلين إذا كان فضلهما واحدا من وجه واحد فتفاضلا فيه وأما إن كان الفضل من المفاضلة بين الفاضلين إذا كان فضلهما واحدا من وجه واحد فتفاضلا فيه وأما إن كان الفضل من وجهين اثنين فلا سبيل إلى المفاضلة بينهما لأن معنى قول القائل أي هذين أفضل إنما هو أي هذين أكثر أوصافا في الباب الذي اشتركا فيه ألا ترى أنه لا يقال أيهما أفضل رمضان أو ناقة صالح ولا أيهما أفضل الكعبة أو الصلاة بل نقول أيهما أفضل مكة أو المدينة وأيهما أفضل رمضان أو ذو الحجة وأيهما أفضل الزكاة أم الصلاة وأيهما أفضل ناقة صالح أو ناقة غيره من الأنبياء فقد صح أن التفاضل إنما يكون في وجه اشتراك فيه المسؤول عنهما فسبق أحدهما فيه فاستحق أن يكون أفضل وفضل إبراهيم ليس على عمل أصلا وإنما هو اختصاص مجرد وإكرام لأبيه صلى الله عليه وسلم وأما نساؤه عليه السلام فكونهن وكون سائر أصحابه عليهم السلام في الجنة إنما هو جزاء لهن ولهم على أعمالهن وأعمالهم قال الله بعد ذكر الصحابة رضي الله عنهم « جزاء بما كانوا يعملون » وقال بعد ذكر الصحابة « وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما » وقال تعالى مخاطبا لنسائه عليه السلام « ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين » وهذا نص قولنا ولله الحمد وقال تعالى « وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون » وقال تعالى « غرف من فوقها غرف مبنية » وقال تعالى « وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى » فإن قال قائل فكيف تقولون في قوله عليه السلام لن يدخل الجنة أحد بعمله قيل ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل قلنا نعم هذا حق موافق للآيات المذكورة
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 119
مساهمون: ابن حزم
ص١١٩