وتعذيبه من شاء منهم ممن لم يهده وإضلاله من أضل وهداه من هدى كل ذلك حق وعدل وحسن وأن أحكامنا غير جارية عليه لكن أحكامه جارية علينا وهذا هو الحق الذي لا يخفى إلا على من أضله الله تعالى نعوذ بالله من إضلاله لنا ولا فرق بين شيء مما ذكرناه في العقل البتة وبرهان ضروري
قال أبو محمد يقال لمن قال لا يجوز أن يفعل الله تعالى إلا ما هو حسن في العقل منا ولا أن يخلق ويفعل ما هو قبيح في العقل فيما بينا منا يا هؤلاء إنكم أخذتم الأمر من عند أنفسكم ثم عكستموه فعظم غلطكم وإنما الواجب أنتم مقرون بأن الله تعالى لم يزل واحدا وحده ليس معه خلق أصلا ولا شيء موجود لا جسم ولا عرض ولا جوهر ولا عقل ولا معقول ولا سفه ولا غير ذلك ثم أقررتم بلا خلاف منكم أنه خلق النفوس وأحدثها بعد أن لم تكن وخلق لها العقول وركبها في النفوس بعد أن لم تكن العقول البتة أن لا تحدثوا على الباري تعالى حكما لازما له من قبل بعض خلقه فليس في الجنون أفحش من هذا البتة ثم أخبرونا إذا كان الله وحده لا شيء موجود معه ففي أي شيء كانت صورة الحسن حسنة وصورة القبيح قبيحة وليس هنالك عقل أصلا يكون فيه الحسن حسنا والقبيح قبيحا ولا كانت هنالك نفس عاقلة أو غير عاقلة فيقبح عندها القبيح ويحسن الحسن فأي شيء قال تحسين الحسن وتقبيح القبيح وهما عرضان لا بد لهما من حامل ولا حامل أصلا ولا محمول ولا شيء حسن ولا شيء قبيح حتى أحدث الله تعالى النفوس وركب فيها العقول المخلوقة وقبح فيها على قولكم ما قبح وحسن فيها على قولكم ما حسن فإذ لا سبيل إلى أن يكون مع الباري تعالى في الأزل شيء موجود أصلا قبيح ولا حسن ولا عقل يقبح فيه شيء أو يحسن فقد وجب يقينا أن لا يمتنع من قدرة الله تعالى وفعله شيء يحدثه لقبح فيه ووجب أن لا يلزمه تعالى شيء لحسنه إذ لا قبح ولا حسن البتة فيما لم يزل فبالضرورة وجب أن ما هو
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 100
مساهمون: ابن حزم
ص١٠٠