قال أبو محمد ومن تدبر هذا القول علم أنه أقبح من قول جهم وجميع المجبرة لأنهم جعلوا أفعال العباد طبيعة اضطرارية كفعل النار للإحراق بطبعها وفعل الثلج للتبريد بطبعه وفعل السقمونيا في إحدارها الصفراء بطبعها وهذه صفة الأموات لا صفة الأحياء المختارين وإذا لم يبق على قول هذين الرجلين للإنسان فعل الا الإرادة فقد وجدنا الإرادة لا يقدر الإنسان على صرفها ولا إحالتها ولا على تبديلها بوجه من الوجوه وإنما يظهر من المرء تبديل حركاته وسكونه وأما إرادته فلا حيلة له فيها ونحن نجد كل قوى الآلة من الرجال
يحب وطء كل جميلة يستمتع بها لولا التقوى ويحب النوم عن الصلاة في الليالي القاهرة والهواجر الحارة ويحب الأكل في أيام الصوم ويحب إمساك ماله عن الزكاة وإنما يأتي خلاف ما يريد مغالبة لإرادته وقهرا لها وأما صرفا لها فلا سبيل له إليه فقد تم الإخبار صحيحا على قول هذين الرجلين وحسبنا الله ونعم الوكيل
قال أبو محمد والبرهان على صحة قول من قال أن الله تعالى خلق أعمال العباد كلها نصوص من القرآن وبراهين ضرورية منتجة من بديهة العقل والحس لا يغيب عنها إلا جاهل وبالله تعالى التوفيق فمن النصوص قول الله عز وجل « هل من خالق غير الله »
قال أبو محمد هذا كاف لمن عقل واتقى الله وقد قال لي بعضهم إنما أنكر الله تعالى أن يكون هاهنا خالق غيره يرزقنا كما في نص الآية
قال أبو محمد وجواب هذا أنه ليس كما ظن هذا القائل بل القضية قد تمت في قوله غير الله ثم ابتدأ عز وجل بتعديد نعمه علينا فأخبرنا أنه يرزقنا من السماء والأرض وقال تعالى « فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم » وهذا برهان جلي على أن الدين مخلوق لله عز وجل وقال تعالى « واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 55
مساهمون: ابن حزم
ص٥٥