تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
التوفيق هو غير عاجز بظاهر بنيته لسلامة جوارحه وارتفاع الموانع وهو عاجز عن الجمع بين الفعل وضده ما لم ينزل الله تعالى له العون فيتم ارتفاع العجز عنه ويوجد الفعل ولا بد وتقول أن العجز في اللغة إنما يقع على الممنوع بآفة على الجوارح أو بمانع ظاهر إلى الحواس والمأمور بالفعل ليس في ظاهر أمره عاجزا إذ لا آفة في جوارحه ولا مانع له ظاهرا وهو في الحقيقة عاجز عن الجمع بين الفعل وضده وبين الفعل وتركه وعن فعل ما لم يؤته الله عونا عليه وعن تكذيب علم الله تعالى الذي لم يزل بأنه لم يفعل إلا ما سبق علمه تعالى فيه هذه الحقيقة الجواب في هذا الباب والحمد لله رب العالمين فإن قيل فهو ختار لما يفعل قلنا نعم اختيارا صحيحا لا مجازا لأنه مريد لكونه منه محب له مؤثر على تركه وهذا معنى لفظة الاختيار على الحقيقة وليس مضطرا ولا مجبرا ولا مكرها لأن هذه ألفاظ في اللغة لا تقع إلا على الكاره لما يكون منه في هذه الحال وقد يكون المرء مضطرا مختارا مكرها في حالة واحدة كإنسان في رجله أكلة لا دواء له إلا بقطعها فيأمر أعوانه مختارا لأمره إياهم بقطعها وبحسمها بالنار بعد القطع ويأمرهم بإمساكه وضبطه وأن لا يلتفتوا إلى صياحه ولا إلى أمره لهم بتركه إذا أحس الألم ويتوعدهم على التقصير في ذلك بالضرب والنكال الشديد فيفعلون به ذلك فهو مختار لقطع رجله إذ لو كره ذلك كراهة تامة لم يكرهه أحد على ذلك وهو بلا شك كاره لقطعها مضطر إليه إذ لو وجد سبيلا بوجه من الوجوه دون الموت إلى ترك قطعها ولم يقطعها وهو مجبر مكره بالضبط من أعوانه حتى يتم القطع والحسم إذ لو لم يضبطوه ويعسروه ويقهروه ويكرهوه ويجبروه لم يمكن من قطعها البتة وإنما أتينا بهذا لئلا ينكر الجاهلون أن يكون أحد يوجد مختارا من وجه مكرها من وجه آخر عاجزا من وجه مستطيعا من آخر قادرا من وجه ممنوعا من
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 53 | ابن حزم