تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
قال أبو محمد وهذا حق وقد قال تعالى « ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة » فأخبر تعالى أن الذين هجى بعض الناس لا كلهم وقال تعالى « إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل » وهي قراءة مشهورة عن عاصم بفتح الياء من يهدي وكسر الدال فأخبر تعالى أن في الناس من لم يهده وقال تعالى « من يضلل الله فلا هادي له » فأخبر تعالى أن الذين أضل فلم يهدهم وقال تعالى « فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء » فأخبر تعالى أن الذين هدى غير الذي أضل ومثل هذا كثير وكل ذلك كلام الله عز وجل وكله حق لا يتعارض ولا يبطل بعضه بعضا قال الله تعالى « ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا » فصح يقينا أن كل ما أوردنا من الآيات فكلها متفق لا مختلف فنظرنا في الآيات المذكورة فوجدناها ظاهرة لائحة وهو أن الله تعالى أخبر أنه هدى ثمود فلم يهتدوا وهدى الناس كلهم السبيل ثم هم بعد إما شاكرا وإما كفورا وأخبر تعالى في الآيات الأخر أنه هدى قوما فاهتدوا ولم يهد آخرين فلم يهتدوا فعلمنا ضرورة أن الهدى الذي أعطاه الله عز وجل جميع الناس هو غير الذي أعطاه بعضهم ومنعه بعضهم فلم يعطهم إياه هذا أمر معلوم بضرورة العقل وبديهته فإذ لا شك في ذلك فقد لاح الأمر وهو أن الهدى في اللغة العربية من الأسماء المشتركة وهي التي يقع الاسم منها على مسمين مختلفين بنوعهما فصاعدا فالهدى يكون بمعنى الدلالة تقول هديت فلانا الطريق بمعنى أربته إياه ووقفته عليه وأعلمته إياه سواء سلكه أو تركه وتقول فلان هاد بالطريق أي دليل فيه فهذا الهدى الذي هداه الله ثمود وجميع الجن والملائكة وجميع الإنس كافرهم ومؤمنهم لأنه تعالى دلهم على الطاعات