عليه السلام « إنك لن تستطيع معي صبرا » فلم ينكر الله تعالى كلامه ذلك ولا أنكره موسى عليه السلام لكن أجابه بقوله « ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا » فلم يقل له موسى عليه السلام أني مستطيع للصبر بل صدق قوله في ذلك إذ أقره ولم ينكره ورجا أن يجد الله له استطاعة على الصبر فيصبر ولم يوجبه موسى عليه السلام أيضا لنفسه إلا أن يشاء الله تعالى ثم كرر عليه الخضر بعد ذلك مرات أنه غير مستطيع للصبر إذ لم يصبر فلم ينكر ذلك موسى عليه السلام فهذه شهادة ثلاثة أنبياء محمد وموسى والخضر صلى الله عليه وسلم وأكبر من شهادتهم شهادة الله عز وجل
بتصديقهم في ذلك إذ قد نصه الله تعالى علينا غير منكر له بل مصدقا لهم وهذا لا يرده إلا مخذول وقال عز وجل « وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا » فنص تعالى نصا جليا على أنهم كانوا لا يستطيعون السمع الذي أمروا به وأنهم مع ذلك كانت أعينهم في غطاء عن ذكر الله عزو جل ومع ذلك استحقوا على ذلك جهنم وكانوا في ظاهر الأمر مستطيعون بصحة جوارحهم وهذا نص قولنا بلا تكلف والحمد لله رب العالمين على هداه لنا وتوفيقه إيانا لا إله إلا هو وقال تعالى « إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا » فنفى الله عز وجل عنهم استطاعة شيء من السبل غير سبيل الضلال وحده وفي هذا كفاية لمن عقل وقال تعالى « وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله » فنص تعالى على أن من لم يأذن له في الإيمان لم يؤمن وأن من أذن له في الإيمان آمن وهذا الإذن هو التوفيق الذي ذكرنا فيكون به الإيمان ولا بد وعدم الإذن هو الخذلان الذي ذكرنا نعوذ بالله منه وقال تعالى حاكيا عن يوسف عليه السلام ومصدقا له إذ يقول « وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 39
مساهمون: ابن حزم
ص٣٩