تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
فهذه هي الاستطاعة الموجودة قبل الفعل برهان ذلك قول الله عز وجل حكاية عن القائلين « لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون » فأكذبهم الله في إنكارهم استطاعة الخروج قبل الخروج وقوله تعالى « ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا » فلو لم تكن هنا استطاعة قبل فعل المرء الحج لما لزم الحج إلا من حج فقط ولما كان أحد عاصيا بترك الحج لأنه إن لم يكن مستطيعا للحج حتى يحج فلا حج عليه ولا هو مخاطب بالحج وقوله تعالى « فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا » فلو لم يكن على المظاهر العائد لقوله استطاعة على الصيام قبل أن يصوم لما كان مخاطبا بوجوب الصوم عليه إذا لم يجد الرقبة أصلا ولكان حكمه مع عدم الرقبة وجوب الإطعام فقط وهذا باطل وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن بايعه فمن لم يستطع فقاعدا فمن لم يستطع فعلى جنب وهذا إجماع متيقن لا شك فيه فلو لم يكن الناس مستطيعين للقيام قبل القيام لما كان أحد مأمور بالصلاة قبل أن يصليها كذلك ولكان معذورا إن صلى قاعدا وعلى جنب بكل وجه لأنه إذا صلى كذلك لم يكن مستطيعا للقيام وهذا باطل وقوله صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بشيء فأتوا به ما استطعتم فلو لم يكن ها هنا استطاعة لشيء مما أمرنا به أن نفعله لما لزمنا شيء مما أمرنا به مما لم نفعله ولكنا غير عصاة بالترك لأننا لم نكلف بالنص إلا ما استطعنا وقوله صلى الله عليه وسلم أتستطيع أن تصوم شهرين قال فلو لم يكن أحد مستطيعا للصوم إلا حتى يصوم لكان هذا السؤال منه عليه السلام محالا وحاشا له من ذلك ومما يتبين صحة هذا وأن المراد في كل ما ذكرنا صحة الجوارح وارتفاع الموانع قول الله تعالى « ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون » فنص تعالى على أن في عدم السلامة بطلان الاستطاعة وأن وجود السلامة