تعالى التوفيق ثم نظرنا فوجدنا السالم الجوارح المريد للفعل قد يعترضه دون الفعل مانع لا يقدر معه على الفعل أصلا فعلمنا أن هاهنا شيئا آخر به تتم الاستطاعة ولا بد وبه يوجد الفعل فعلمنا ضرورة أن هذا الشيء إذ هو تمام الاستطاعة ولا تصح الاستطاعة إلا به فهو باليقين قوة إذ الاستطاعة قوة وأن ذلك الشيء قوة بلا شك فقد علمنا أنه ما أتى به من عند الله تعالى لأنه تعالى مؤتي القوى إذ لا يمكن ذلك لأحد دونه عز وجل فصح ضرورة أن الاستطاعة صحة الجوارح مع ارتفاع الموانع وهذان الوجهان قبل الفعل وقوة أخرى من عند الله عز وجل وهذا الوجه مع الفعل باجتماعهما يكون الفعل وبالله تعالى التوفيق ومن البرهان على صحة هذا القول إجماع الأمة كلها على سؤال الله تعالى التوفيق والاستعاذة به من الخذلان فالقوة التي ترد من الله تعالى على العبد فيفعل بها الخير تسمى بالإجماع توفيقا وعصمه وتأييدا والقوة التي ترد من الله تعالى فيفعل العبد بها الشر تسمى بالإجماع خذلانا والقوة التي ترد من الله تعالى على العبد فيفعل بها ما ليس طاعة ولا معصية تسمى عونا أو قوة أو حولا وتبين من صحة هذا صحة قول المسلمين لا حول ولا قوة إلا بالله والقوة لا تكون لأحد البتة فعل إلا بها فصح أنه لا حول ولا قوة لأحد إلا بالله العلي العظيم وكذلك يسمى تيسيرا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ميسر لما خلق له وقد وافقنا جميع المعتزلة على أن الاستطاعة فعل الله عز وجل وأنه لا يفعل أحد خيرا ولا شرا إلا بقوة أعطاه الله تعالى إياها إلا أنهم قالوا يصلح بها الخير والشر معا
قال أبو محمد فجملة القول في هذا بأن عناصر الإخبار ثلاثة وهو ممتنع أو واجب أو ممكن بينهما هذا أمر بضرورة الحس والتمييز فإذا الأمر كذلك فإن عدمت صحة الجوارح كان له مانع إلى الفعل وأما الصحيح الجوارح المرتفع الموانع فقد يكون منه الفعل وقد لا يكون
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 30
مساهمون: ابن حزم
ص٣٠