أبدا وبالله تعالى التوفيق فإن قال قائل أن الملائكة مأمورون لا منهيون قلنا هذا باطل لأن كل مأمور بشيء فهو منهي عن تركه وقوله تعالى « يخافون ربهم من فوقهم » يدل على أنهم منهيون عن أشياء يخافون من فعلها وقال عز وجل « ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين »
قال أبو محمد وهذا مبطل ظن من ظن أن هاروت وماروت كانا ملكين فعصيا بشرب الخمر والزنا والقتل وقد أعاذ الله عز وجل الملائكة من مثل هذه الصفة بما ذكرنا آنفا أنهم لا يعصون الله ويفعلون ما يؤمرون وبإخباره تعالى أنهم لا يسأمون ولا يفترون ولا يستحسرون عن طاعته عز وجل فوجب يقينا أنه ليس في الملائكة البتة عاص لا بعمد ولا بخطأ ولا بنسيان وقال عز وجل « جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع » فكل الملائكة رسل الله عز وجل بنص القرآن والرسل معصومون فصح أن هاروت وماروت المذكورين في القرآن لا يخلو أمرهما من أحد وجهين لا ثالث لهما أما أن يكونا جنين من أحياء الجن كما روينا عن خالد بن أبي عمران وغيره وموضعهما حينئذ في الجو بدل من الشياطين كأنه قال ولكن الشياطين كفروا هاروت وماروت ويكون الوقوف على قوله ما أنزل على الملكين ببابل ويتم الكلام هنا وأما أن يكونا ملكين أنزل الله عز وجل عليهما شريعة حق ثم مسخها فصارت كفرا كما فعل بشريعة موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام فتمادى الشياطين على تعليمهما وهي بعد كفر كأنه قال تعالى « ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت » ثم ذكر عز وجل ما كان يفعله ذلك الملكان فقال تعالى « وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق »
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 261
مساهمون: ابن حزم
ص٢٦١