تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
قال أبو محمد فقول الملكين إنما نحن فتنة فلا تكفر قول صحيح ونهى عن المنكر وأما الفتنة فقد تكون ضلالا وتكون هدي قال الله عز وجل حاكيا عن موسى عليه السلام أنه قال لربه « أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء » فصدق الله عز وجل قوله وصح أن يهدي بالفتنة من يشاء ويضل بها من يشاء وقال تعالى « أنما أموالكم وأولادكم فتنة » وليس كل أحد يضل بماله وولده فقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم أولاد ومال وكذلك لكثير من الرسل عليهم السلام وقال تعالى « وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا » وقال تعالى « وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه » فهذه سقيا الماء التي هي جزاء على الاستقامة قد سماها تعالى فتنة فصح أن من الفتنة خير أو هدى ومنا إضلالا وكفرا والملكان المذكورات كذلك كانا فتنة يهتدي من اتبع أمرهما في أن لا يكفر ويضل من عصاهما في ذلك وقوله تعالى « فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه » حق لأن اتباع رسل الله عليهم الصلاة والسلام هذه صفتهم يؤمن الزوج فيفرق إيمانه بينه وبين امرأته التي لم تؤمن وتؤمن هي فيفرق إيمانها بينها وبين زوجها الذي لم يؤمن في الدنيا والآخرة وفي الولاية ثم رجع تعالى إلى الخبر عن الشياطين فقال عز وجل « وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله » وهذا حق لأن الشياطين في تعليمهم ما قد نسخه الله عز وجل وأبطله ضارون من إذن الله تعالى باستضراره به وهكذا إلى آخر الآية وما قال عز وجل قط أن هاروت وماروت علما سحرا ولا كفرا ولا أنهما عصيا وإنما ذكر ذلك في خرافة موضوعة لا نصح من طريق الإسناد أصلا ولا هي أيضا مع ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما هي موقوفة على من قال من دونه عليه السلام فسقط
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 262 | ابن حزم