فوضح بهذا أن كلا الطائفتين مخطئة وأن الحق هو جمع كل ما تعلقت به كلتا الطائفتين من النصوص التي في القرآن والسنن ويكفي من هذا كله قول الله عز وجل « أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى » وقوله تعالى « اليوم تجزى كل نفس بما كسبت » وقوله تعالى « فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره » وقال تعالى « من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها » وقال تعالى « ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين » فصح بهذا كله أنه لا يخرجه عن اسم الإيمان إلا الكفر ولا يخرجه عن اسم الكفر إلا الإيمان وأن الأعمال حسنها حسن إيمان وقبيحها قبيح ليس إيمانا والموازنة تقضي على كل ذلك ولا يحبط الأعمال إلا الشرك قال تعالى « لئن أشركت ليحبطن عملك » وقالوا إذا أقررتم أن أعمال البر كلها إيمانا وأن المعاصي ليست إيمانا فهو عندكم مؤمن غير مؤمن قلنا نعم ولا نكرة في ذلك وهو مؤمن بالعمل الصالح غير مؤمن بالعمل السيء كما نقول محسن بما أحسن فيه مسيء غير محسن معا بما أساء فيه وليس وليس الإيمان عندنا التصديق وحده فيلزمنا التناقض وهذا هو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن أي ليس مطيعا في زناه ذلك وهو مؤمن بسائر حسناته واحتجوا بقول الله تعالى « كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون » ففرق تعالى بين الفسق والإيمان
قال أبو محمد نعم وقد أوضحنا أن الإيمان هو كل عمل صالح فبيقين ندري أن الفسق ليس إيمانا فمن فسق فلم يؤمن بذلك العمل الذي هو الفسق ولم يقل عز وجل أنه لا يؤمن في شيء من سائر أعماله وقد قال تعالى « إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم » فهؤلاء قد شهد الله تعالى لهم بالايمان فإذا
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 233
مساهمون: ابن حزم
ص٢٣٣