« فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين » وبقوله تعالى « يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين »
قال أبو محمد والذي نقول به وبالله تعالى التوفيق أن الإيمان أصله في اللغة التصديق على الصفة التي ذكرنا قبل ثم أوقعه الله عز وجل في الشريعة على جميع الطاعات واجتناب المعاصي إذا قصد بكل ذلك من عمل أو ترك وجه الله عز وجل وأن الإسلام أصله في اللغة التبرؤ تقول أسلمت أمر كذا إلى فلان إذا تبرأت منه إليه فسمي المسلم مسلما لأنه تبرأ من كل شيء إلى الله عز وجل ثم نقل الله تعالى اسم الإسلام أيضا إلى جميع الطاعات وأيضا فإن التبرؤ إلى الله من كل شيء هو معنى التصديق لأنه لا يبرأ إلى الله تعالى من كل شيء حتى يصدق به فإذا أريد بالإسلام المعنى الذي هو خلاف الكفر وخلاف الفسق فهو والإيمان شيء واحد كما قال تعالى « لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان » وقد يكون الإسلام أيضا بمعنى الاستسلام أي أنه استسلم للملة خوف القتل وهو غير معتقد لها فإذا أريد بالإسلام هذا المعنى فهو غير الإيمان وهو الذي أراد الله تعالى بقوله « لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم » وبهذا تتألف النصوص المذكورة من القرآن والسنن وقد قال تعالى « ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه » وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة فهذا هو الإسلام الذي هو الإيمان فصح أن الإسلام لفظة مشتركة كما ذكرنا ومن البرهان على أنها لفظة منقولة عن موضعها في اللغة أن الإسلام في اللغة هو التبرؤ فأي شيء تبرأ منه المرء فقد أسلم من ذلك الشيء وهو مسلم كما أن من صدق بشيء فقد آمن به وهو مؤمن به وبيقين لا شك فيه يدري كل واحد أن كل كافر على وجه الأرض فإنه مصدق بأشياء كثيرة
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 226
مساهمون: ابن حزم
ص٢٢٦