كلامه تعالى وقال عز وجل « ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا » فنص تعالى على أنه أراد فتنة المفتتنين وهم الكفار وكفرهم الذين لم يملك لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الله شيئا فهذا نص على أن الله تعالى أراد كون الكفر من الكفار وقال تعالى « أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم »
قال أبو محمد وهذا غاية البيان في أنه تعالى لم يرد أن يطهر قلوبهم وبالضرورة ندري أن من لم يرد الله أن يطهر قلبه فقد أراد فساد دينه الذي هو ضد طهارة القلب وقال تعالى « ولو شاء الله لجمعهم على الهدى » وهذا غاية البيان في أن الله تعالى لم يرد هدى الجميع وإذا لم يرد هداهم فقد أراد كون كفرهم الذي هو ضد الهدى وقال تعالى « ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين »
قال أبو محمد هذا غاية البيان في أنه تعالى لم يشأ هدى الكفار لكن حق قوله بأنهم لا بد من أن يكفروا فيكونوا من أهل جهنم وقال تعالى « من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم » فأخبر تعالى أنه شاء أن يضل من أضله وشاء أن يهدي من جعله على صراط مستقيم وهم بلا شك غير الذين لم يجعلهم على صراط مستقيم وأراد فتنتهم وأن لا يطهر قلوبهم وأن يكونوا من أصحاب النار نعوذ بالله من ذلك وقال تعالى حاكيا عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه قال « لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين » فشهد الخليل عليه السلام أن من لم يهده الله تعالى ضل وصح أن من ضل فلم يهده الله عز وجل ومن لم يهده الله وهو قادر على هداه فقد أراد ضلاله وإضلاله ولم يرد هداه وقال تعالى « ولو شاء الله ما أشركوا » فصح يقينا لا اشكال فيه إن الله تعالى شاء أن يشركوا إذ نص على أنه لو شاء أن لا يشركوا ما أشركوا
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 148
مساهمون: ابن حزم
ص١٤٨