لامتناع غيره فصح يقينا أن الله تعالى لم يشأ أن يؤمن كل من في الأرض وإذ لا شك في ذلك فباليقين ندري أنه شاء منهم خلاف الإيمان وهو الكفر والفسق لا بد ولو كان الله تعالى إذن للكافرين في الإيمان على قول المعتزلة لكان كل من في الأرض قد آمن لأنه تعالى قد نص على أنه لا يؤمن أحد إلا بإذنه وهذا أمر من المعتزلة يكذبه العيان فصح أن المعتزلة كذبت وأن الله تعالى صدق وأنه لم يأذن قط لمن مات كافرا في الإيمان وأن من عمي عن هذه لأعمى القلب وكيف لا يكون أعمى القلب من أعمى الله قلبه عن الهدى وبالضرورة ندري أن قول الله تعالى « وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله » حق وأن من لم يأذن الله تعالى له في الإيمان فإنه تعالى لم يشأ أن يؤمن وإذا لم يشأ أن يؤمن فبلا شك أنه تعالى شاء أن يكفر هذا ما لا انفكاك منه وقال تعالى « ونذرهم في طغيانهم يعمهون ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله » فبين تعالى أتم بيان على أن الآيات لا تغني شيئا ولا النذر وهم الرسل وأنه لا يؤمن شيء
من ذلك إلا من شاء الله عز وجل أن يؤمن فصح يقينا أنه لا يؤمن إلا من شاء الله إيمانه ولا يكفر إلا من شاء الله كفره فقال تعالى حاكيا عن يوسف عليه السلام أنه قال « وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن » فبالضرورة نعلم أن من صبا وجهل فإن الله تعالى لم يصرف عنه الكيد الذي صرفه برحمته عمن لم يصب ولم يجهل وإذ صرفه تعالى عن بعض ولم يصرفه عن بعض فقد أراد تعالى إضلال من حبا وجهل وقال تعالى « وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا » فليت شعري إذ قال تعالى إنه جعل قلوب الكافرين في أكنة أن يفقهوا القرآن وجعل الوقر في آذانهم أتراه أراد أن يفقهوه أو أراد أن لا يفقهوه وكيف
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 146
مساهمون: ابن حزم
ص١٤٦