وكيف يكون أباه ولا أب له وإنما يطلق هذا الإطلاق مني الربيب فيمن يعرف أبوه فيقال له أبوك عن ربيبه بمعنى كافله لأنه لا إشكال فيه وأما من لا أب له من بني آدم فإطلاق الأبوة فيه على زوج أمه إشكال وتلبيس وتطريق إلى البلاء أم كيف تبقى مريم العذراء مع زوجها بزعمهم فض الله أفواههم أزيد من ثلاث عشرة سنة كما يبقى الرجل مع امرأته يغلقان عليهما بابا واحدا أم كيف يصح مع هذا عند هؤلاء أنه مولود من غير ذكر أين هذا الزور المفتري من النور المقتفى قول الله حقا في وحيه الناطق إلى رسوله الصادق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه حيث قال « فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا » إلى قوله « قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا »
قال أبو محمد هذا هو الحق الواضح الذي يصدق بعضه بعضا لا الكذب المتناقض وهذا الذي لا يمكن سواه لأنه لو كان لها زوج لم ينكر أحد ولادتها ولو لم يقم برهان بكلامه في المهد لما جاز عندنا ولا عند أحد من الناس أنها حملت به من غير ذلك ولكان ذلك دعوى كاذبة لا يجوز أن يصدقها أحد لا سيما مع زعمهم أنها سكنت مع زوجها أزيد من ثلاثة عشر عاما في بيت واحد يهديان عند ولادته ما يهدي الأبوان من اليهود بحكم التوراة عن ابنيهما وتقول له أمه هذا أبوك وفعل أبوك ثم أطم من
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 58
مساهمون: ابن حزم
ص٥٨