يؤمنكم من أن تكونوا بهذه الصفة ونقول لمن يؤمن بالله العظيم منهم أيقدر الله تعالى على أن يحيل حواسك كما فعل بصاحب الصفراء الذي يجد العسل مرا كالعلقم وبصاحب ابتداء الماء النازل في عينيه فيرى خيالات لا حقيقة لما وكمن في سمعه آفة فهو يسمع طنينا لا حقيقة له أم لا يقدر فإن قالوا يقدر له فما يؤمنك من أنك بهذه الصفة فإن قال أن كل من يحضرني يخبرني بأن لست من أهل هذه الصفة قيل له وهكذا يظن ذلك الموسوس ولا فرق فإنه لا بد أن يقول إني أرى أني بخلاف هذه الصفة ضرورة علما يقينا قلنا له بمثل هذا سواء بسواء أمنا أن يكون الله يظلم أو يكذب أو يحيل طبيعة لغير نبي يفعل المحال مع قدرته على ذلك ولا فرق
قال أبو محمد ويقال لجميع هذه الفرق حاشا من قال بقول على الأسواري هل شنعتم على الأسواري لأنه إذا وصف الله تعالى بأنه لا يقدر على غير ما فعل فقد وصفه تعالى بالعجز ولا بد فلا بد من نعم فيقال لهم فإن هذا نفسه لازم لكم في قولكم بأنه لا يقدر على الظلم والكذب ولا على المحال ولا على نفسه أولا أصلح مما فعل بعباده ضرورة لا ينفكون من ذلك فإن قلتم أن هذا لا يلزمنا قيل لكم ولا يعجز على الأسواري عن أن يقول أيضا أن هذا لا يلزمني وهذا لا انفكاك منه ويقال لهم إذا أخبر الله عز وجل أنه سيقيم الساعة وسيميت زايدا يوم كذا يقدر أن لا يميته في ذلك اليوم وعلى أن يميته قبل ذلك اليوم أم لا فإن قالوا لا لحقوا بقول الأسواري وإن قالوا نعم أقروا أنه يقدر على تكذيب قوله وهذا هو القدرة على الكذب التي أبطلوا ونسائهم أيضا إذ أمرنا الله تعالى بالدعاء ومنه ما قد علم أنه لا يجيب الداعي به هل أمرنا بالدعاء من ذلك فيما لا يستطيع ولا يقدر عليه أم فيما يقدر عليه فإن قالوا فيما لا يقدر عليه لحقوا بالأسواري وأوجبوا على الله تعالى القول بالمحال إذ زعموا انه أمرنا بأن نرغب إليه في أن يفعل ما لا يقدر عليه تعالى الله عن ذلك وإن قالوا بل فيما يقدر عليه أقروا أنه يقدر على إبطال علمه والذي يدخل هذا الذي هو الكفر المجرد من إبطال دلائل التوحيد وإبطال حدوثه العالم
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 188
مساهمون: ابن حزم
ص١٨٨