وخلاف الإجماع غير قليل فإن قال على الأسواري لا يلزمني إثبات العجز بنفي القدرة بل أنفى عنه الأمرين جميعا كما قلتم أنتم إن نفيكم عنه تعالى الحركة لا يلزمه السكون ونفي السكون لا يلزمه الحركة كما تنفون عنه الضدين جميعا من الشجاعة والجبن وسائر الصفات التي نفيتموها وأضدادها
قال أبو محمد فنقول وبالله التوفيق أن هذا تمويه ضعيف لأننا نحن في نفي هذه الصفات عنه تعالى جارون على سنن واحد في نفي جميع صفات المخلوقين عنه كلها وأنتم قد أثبتم له قدرة على أشياء ونفيتم عنه قدرة على غيرها فوجب ضرورة إثبات العجز عنه في الأشياء التي وصفتموه بعدم القدرة عليها وأما نحن فلو وصفناه بالشجاعة في شيء أو بالحركة في وجه ما أو وصفناه بالعقل في شيء ما ثم نفينا عنه الصفات في وجه آخر للزمنا حيث وصفناه بشيء منها نفى ضدها وللزمنا حيث نفينا عنه ضدها أن نثبتها له ولا بد كما فعلنا في الرحمة والسخط فإننا إذا وصفناه بالرحمة لأبي بكر الصديق فقد نفينا عنه عز وجل السخط عليه وإذا نفينا عنه الرحمة لأبي جهل فقد أثبتنا له بذلك السخط عليه وهذا برهان ضروري فإن موه مموه فقال ألستم تقولون أن الله تعالى لا يعلم الحي ميتا فهل تثبتون له بنفي العلم ها هنا الجهل قلنا له وهذا أيضا تمويه آخر بل أوجبنا له بذلك العلم حقا لأننا إذا نفينا عنه العلم ما الأشياء فقد أثبتنا له تعالى العلم بحقيقة ما الأشياء وهل ها هنا شيء يجهل أصلا وإنما الجهل بشيء حق الجاهل به فقط
قال أبو محمد وقد قلنا لمن ناظرنا منهم أنكم تنسبون لله تعالى علما لم يزل فأخبرونا هل يقدر الله تعالى على أن يميت اليوم من علم أنه لا يميته إلا غدا وهل يقدر ربكم على أن يزيل الآن بنية عن مكان قد علم أنها لا تزول عنه إلا غدا وعلى رحمة من مات مشركا مع قوله تعالى أنه لا يرحمه أصلا أم لا يقدر على ذلك فقال لنا منهم قائل أن الله تعالى قادر على ذلك فقلنا له قد أقررتم أنه يقدر على إحاطة علمه الذي لم يزل وعلى تكذيب كلامه وهذا إبطال قولكم صراحا وقال منهم قائلون أنه تعالى قادر
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 189
مساهمون: ابن حزم
ص١٨٩