الذي ينقض بعضه بعضا ويفسد آخره أوله وهذا النوع لم يزل محالا في علم الله تعالى ولا هو ممكن فهمه لا حد وما كان هكذا فليس سؤالا ولا سأل سائله عن معنى أصلا وإذا لم يسأل فلا يقتضي جوابا علي تحقيقه أو توهمه لكن يقتضي جوابا بنعم أو لا لئلا ينسب بذلك إلى وصفه تعالى بعدم القدرة الذي هو العجز بوجه أصلا وإن كنا موقنين بضرورة العقل بأن الله تعالى لم يفعله قط ولا يفعله أبدا وهذا مثل من سأل أيقدر الله تعالى على نفسه أو على أن يجهل أو على أن يعجز أو على أن يحدث مثله أو على إحداث مالا أول له فهذه سؤالات تفسد بعضها بعضا تشبه كلام الممرورين والمجانين وكلام من لا يفهم وهذا النوع لم يزل الله تعالى يعلمه محالا ممتنعا باطلا قبل حدوث العقل وبعد حدوثه أبدا وأما المحال في العقل وهو القسم الثالث الذي ذكرنا قبل فإن العقل مخلوق محدث خلقه الله تعالى بعد أن لم يكن وإنما هو قوة من قوى النفس عرض محمول فيها أحدثه الله تعالى وأحدث رتبة على ما هي عليه مختارا لذلك تعالى وبضرورة العقل نعلم أن من اخترع شيئا لم يكن قط لا على مثال سلف ولا عن ضرورة أوجبت عليه اختراعه لكن اختار أن يفعله فإنه قادر على ترك اختراعه قادر على اختراع غيره مثله أو خلافه ولا فرق بين قدرته على بعض ذلك وبين قدرته على سائره فكل ما خلقه الله تعالى محالا في العقل فقط فإنما كان محالا مذ جعله الله تعالى محالا وحين أحدث صورة العقل لا قبل ذلك فلو شاء تعالى أن لا يجعله محالا لما كان محالا وكذلك من سأل هل يقدر الله تعالى على أن يجعل شيئا موجودا معدوما معا في وقت واحد أو جسما في مكانين أو جسمين في مكان وكل ما أشبه هذا فهو سؤال صحيح والله تعالى قادر على كل ذلك لو شاء أن يكونه لكونه ومن البرهان على ذلك ما نراه في منامنا مما لا شك فيه أنه محال في حل اليقظة ممتنع يقينا ونراه في منامنا ممكنا محسوسا مرئيا ببصر النفس مسموعا بسمعها فبالضرورة يدري كل ذي حس أن الذي جعل المحال ممكنا في النوم كان قادرا على أن يوجده ممكنا في اليقظة وكذلك
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 182
مساهمون: ابن حزم
ص١٨٢