يأت به نص لما ذكرنا آنفا من أنه لا يجوز أن يخبر عنه تعالى ما لم يخبر عن نفسه واحتج من أطلق على الله تعالى السمع والبصر بأن قال لا يعقل السميع إلا بسمع ولا يعقل البصير إلا ببصر ولا يجوز أن يسمى بصير إلا من له بصر ولا يسمى سميعا إلا من له سمع واحتجوا أيضا في هذا وما ذهبوا إليه من أن الصفات متغايرة بأنه لا يجوز أن يقال أنه تعالى يسمع المبصرات ولا أنه يبصر المسموعات من الأصوات وقالوا هذا لا يعقل
قال أبو محمد وكل هذين الدليلين شغبي فاسد أما قولهم لا يعقل السميع إلا بسمع ولا يعقل البصير إلا ببصر فيقال لهم وبالله تعالى التوفيق أما فيما بيننا فنعم وكذلك أصلا لم نجد قط في شيء من العالم الذي نحن فيه سميعا إلا بسمع ولا وجد فيه بصيرا إلا ببصر فإنه لم يوجد قط أيضا فيه سميع إلا بجارحة يسمع بها ولا وجد قط فيه عالم إلا بضمير فلزمهم أن يجرؤ على الله تعالى هذه الأوصاف وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وهم لا يقولن هذا ولا يستجيزونه وأما المجسمة فإنهم أطلقوا هذه وجوزوه وقد مضى نقض قولهم بعون الله وتأييده ويلزم الطائفتين كلتيهما إذا قطعوا بالله تعالى سمعا وبصرا لأنه سميع بصير ولا يمكن أن يكون سميع بصير إلا إذا سمع وبصر لا سيما وقد صح النص بأن له تعالى عينا وأعينا أن يقولوا أنه ذو حدقة وناظر وطباق في العين وذو أشفار وأهداب لأننا نشاهد في العالم ولا يمكن البتة أن تكون عين الذي عين يرى بها ويبصر الا هكذا وإلا فهي عين ذات عاهة أو كعيون بعض الحيوان التي لا يطبقها وكذلك لا يكون في المعهود ولا يمكن البتة أن يكون سميع في العالم إلا بإذن ذات صماخ فيلزمهم أن يثبتوا هذا كله وإلا فقد أبطلوا استدلالهم وزودوا استشهادهم بالمعهود والمعقول فإن أطلقوا هذا كله تركوا مذهبهم وخرجوا إلى أقبح قول المجسمة وقد ذكرنا فساد قولهم قبل والحمد لله رب العالمين فإذا جوزوا أن يكون الباري تعالى سميعا بصيرا بغير جارحة وهذا خلاف ما عهدوا في العالم وجوزا أن يكون له تعالى عين بلا حدقة
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 141
مساهمون: ابن حزم
ص١٤١