اليهود والنصارى ويلحق بهم المجوس والصابئون - إلّا بالمجادلة - التي هي أحسن المجادلة .
والمجادلة إنما تحسن إذا لم تتضمن إغلاظا وطعنا وإهانة ، فمن حسنها أن تقارن رفقا ولينا في القول لا يتأذى به الخصم وأن يقترب المجادل من خصمه ويدنو منه حتى يتفقا ويتعاضدا لإظهار الحق من غير لجاج وعناد فإذا اجتمع فيها لين الكلام والاقتراب بوجه زادت حسنا على حسن فكانت أحسن .
ولهذا لما نهى عن مجادلتهم إلّا بالتي هي أحسن استثنى منه الذين ظلموا منهم ، فإن المراد بالظلم بقرينة السياق كون الخصم بحيث لا ينفعه الرفق واللين والاقتراب في المطلوب بل يتلقى حسن الجدال نوع مذلة وهوان للمجادل ويعتبره تمويها واحتيالا لصرفه عن معتقده فهؤلاء الظالمون لا ينجح معهم المجادلة بالأحسن .
ولهذا أيضا عقّب الكلام ببيان كيفية الاقتراب معهم وبناء المجادلة على كلمة يجتمع فيها الخصمان فيتقاربان معه ويتعاضدان على ظهور الحق فقال :
« وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ »
والمعنى ظاهر .
قوله تعالى :
وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الْكافِرُونَ
أي على تلك الصفة وهي الاسلام للّه وتصديق كتبه ورسله أنزلنا إليك القرآن .
وقيل : المعنى : مثل ما أنزلنا إلى موسى وعيسى الكتاب أنزلنا إليك الكتاب وهو القرآن .
فقوله :
فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ
الخ ؛ تفريع على نحو نزول الكتاب أي لما كان القرآن نازلا في الاسلام للّه وتصديق كتبه ورسله فأهل الكتاب يؤمنون به بحسب الطبع لما عندهم من الإيمان باللّه وتصديق كتبه ورسله ، ومن هؤلاء وهم المشركون من عبدة الأوثان من يؤمن به وما يجحد بآياتنا ولا ينكرها من أهل الكتاب وهؤلاء المشركين إلّا الكافرون وهم الساترون للحق بالباطل .