وقوله :
قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ
أي قالوا لإبراهيم ، وفي الإتيان بلفظ الإشارة القريبة - هذه القرية - دلالة على قربها من الأرض التي كان إبراهيم عليه السّلام نازلا بها ، وهي الأرض المقدسة .
وقوله :
إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ
تعليل لإهلاكهم بأنهم ظالمون قد استقرت فيهم رذيلة الظلم ، وقد كان مقتضى الظاهر أن يقال : إنهم كانوا ظالمين فوضع المظهر موضع المضمر للإشارة إلى أن ظلمهم ظلم خاص بهم يستوجب الهلاك وليس من مطلق الظلم الذي كان الناس مبتلين به يومئذ كأنه قيل : إن أهلها بما أنهم أهلها ظالمون .
قوله تعالى :
قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ
ظاهر السياق أنه عليه السّلام كان يريد بقوله :
« إِنَّ فِيها لُوطاً »
أن يصرف العذاب أن فيها لوطا وإهلاك أهلها يشمله فأجابوه بأنهم لا يخفى عليهم ذلك بل معه غيره ممن لا يشمله العذاب وهم أهله إلّا امرأته .
لكنه عليه السّلام لم يكن ليجهل أن اللّه سبحانه لا يعذب لوطا وهو نبي مرسل ، وإن شمل العذاب جميع من سواه من أهل قريته ولا أنه يخوّفه ويزعزعه ويفزعه بقهره عليهم بل كان عليه السّلام يريد بقوله :
« إِنَّ فِيها لُوطاً »
أن يصرف العذاب عن أهل القرية كرامة للوط أن يدفعه عن لوط ، فأجيب بأنهم مأمورون بإنجائه وإخراجه من بين أهل القرية ومعه أهله إلّا امرأته كانت من الغابرين .
والدليل على هذا الذي ذكرنا قوله تعالى في سورة هود في هذا الموضع من القصة :
فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ، يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ
( هود / 76 ) ، فالآيات أظهر ما يكون في أن إبراهيم عليه السّلام كان يدافع عن قوم لوط لا عن لوط نفسه .
فظاهر كلامه عليه السّلام في الآية التي نحن فيها الدفاع عن لوط وعلى ذلك جاراه الرسل فأبقوا