تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 728

مساهمون:

ص٧٢٨
خَطاياكُمْ
الآية ؛ وقوله :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ
الآية . وكأن في هؤلاء الراجعين عن إيمانهم من كان رجوعه بمجاهدة من والديه على أن يرجع وإلحاح منهما عليه في الارتداد كبعض أبناء المشركين على ما يستشم من قوله تعالى :
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما
الآية ؛ وقد نزلت السورة في شأن هؤلاء . فغرض السورة على ما يستفاد من بدئها وختامها والسياق الجاري فيها أن الذي يريده اللّه سبحانه من الإيمان ليس هو مجرد قولهم : آمنا باللّه بل هو حقيقة الإيمان التي لا تحركها عواصف الفتن ولا تغيّرها غير الزمن وهي إنما تتثبّت وتستقر بتوارد الفتن وتراكم المحن ، فالناس غير متروكين بمجرد أن يقولوا : آمنا باللّه دون أن يفتنوا ويمتحنوا فيظهر ما في نفوسهم من حقيقة الإيمان أو وصمة الكفر فليعلمن اللّه الذين صدقوا ويعلم الكاذبين . فالفتنة والمحنة سنّة إلهية لا معدل عنها تجري في الناس الحاضرين كما جرت في الأمم الماضين كقوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم ولوط وشعيب وموسى فاستقام منهم من استقام وهلك منهم من هلك وما ظلمهم اللّه ولكن كانوا أنفسهم يظلمون . فعلى من يقول : آمنت باللّه أن يصبر على إيمانه ويعبد اللّه وحده فإن تعذّر عليه القيام بوظائف الدين فليهاجر إلى أرض يستطيع فيها ذلك فأرض اللّه واسعة ولا يخف عسر المعاش فإن الرزق على اللّه وكأيّن من دابة لا تحمل رزقها اللّه يرزقها وإياه . وأما المشركون الذين يفتنون المؤمنين من غير جرم أجرموه إلّا أن يقولوا ربنا اللّه فلا يحسبوا أنهم يعجزون اللّه ويسبقونه فأما فتنتهم للمؤمنين وإيذاؤهم وتعذيبهم فإنما هي فتنة لهم وللمؤمنين غير خارجة عن علم اللّه وتقديره ، فهي فتنة وهي محفوظة عليهم إن شاء أخذهم بوبالها في الدنيا وإن شاء أخّرهم إلى يوم يرجعون فيه اليه وما لهم من محيص .