تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 652

مساهمون:

ص٦٥٢
وبالتأمل في هذا السياق يظهر أن الأنسب كون
« يَوْمَ يُنْفَخُ »
ظرفا لقوله : « إنه خبير بما يفعلون » وقراءة « يفعلون » بيان الغيبة أرجح من القراءة المتداولة على الخطاب . والمعنى : وإنه تعالى خبير بما يفعله أهل السماوات والأرض يوم ينفخ في الصور ويأتونه داخرين يجزي من جاء بالحسنة بخير منها ومن جاء بالسيئة بكبّ وجوههم في النار كلّ مجزي بعمله ، وعلى هذا تكون الآية في معنى قوله تعالى :
أَ فَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ
( العاديات / 11 ) ، وقوله :
يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ
( المؤمن / 16 ) ، ويكون قوله :
« مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ »
الخ ، تفصيلا لقوله :
« إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ »
من حيث لازم الخبرة وهو الجزاء بما فعل وعمل كما أشار اليه ذيلا بقوله :
« هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ »
والالتفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله :
« هَلْ تُجْزَوْنَ »
الخ ؛ لتشديد التقريع والتأنيب . وفي الآية أعني قوله :
« وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ »
الخ ؛ قولان آخران : أحدهما : حملها على الحركة الجوهرية وأن الأشياء كالجبال تتحرك بجوهرها إلى غاية وجودها وهي حشرها ورجوعها إلى اللّه سبحانه . وهذا المعنى أنسب بالنظر إلى ما في قوله :
« تَحْسَبُها جامِدَةً »
من التلويح إلى أنها اليوم متحركة ولما تقم القيامة ، وأما جعل يوم القيامة ظرفا لحسبان الجمود وللمرور كالسحاب جميعا فمما لا يلتفت اليه . وثانيهما : حملها على حركة الأرض الانتقالية وهو بالنظر إلى الآية في نفسها معنى جيد إلا أنه أولا : يوجب انقطاع الآية عما قبلها وما بعدها من آيات القيامة وثانيا : ينقطع بذلك اتصال قوله : « إنه خبير بما يفعلون » بما قبله . قوله تعالى :
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ