تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 654

مساهمون:

ص٦٥٤
أن أعبد رب هذه البلدة ، والمشار إليها بهذه الإشارة مكة المشرّفة ، وفي الكلام تشريفها من وجهين : إضافة الرب إليها ، وتوصيفها بالحرمة حيث قال : رب هذه البلدة الذي حرّمها . وفيه تعريض لهم حيث كفروا بهذه النعمة نعمة حرمة بلدتهم ولم يشركوا اللّه بعبادته بل عدلوا إلى عبادة الأصنام . وقوله :
وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ
إشارة إلى سعة ملكه تعالى دفعا لما يمكن أن يتوهم أنه إنما يملك مكة التي هو ربها فيكون حاله حال سائر الأصنام يملك الواحد منها على عقيدتهم جزءا من أجزاء العالم كالسماء والأرض وبلدة كذا وقوم كذا وأسرة كذا ، فيكون تعالى معبودا كأحد الآلهة واقعا في صفهم وفي عرضهم . وقوله :
وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
أي من الذين أسلموا له فيما أراد ولا يريد إلا ما يهدي اليه الخلقة ويهتف به الفطرة وهو الدين الحنيف الفطري الذي هو ملة إبراهيم . قوله تعالى :
وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ
معطوف على قوله :
« أَنْ أَعْبُدَ »
أي أمرت أن أقرأ القرآن والمراد تلاوته عليهم بدليل تفريع قوله :
« فَمَنِ اهْتَدى »
الخ ؛ عليه . وقوله :
« فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ »
أي فمن اهتدى بهذا القرآن فالذي ينتفع به هو نفسه ولا يعود نفعه إليّ . وقوله :
وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ
أي ومن لم يهتد به بالإعراض عن ذكر ربه وهو الضلال فعليه ضلاله ووبال كفره لا عليّ لأني لست إلا منذرا مأمورا بذلك ولست عليه وكيلا واللّه هو الوكيل عليه . فالعدول عن مثل قولنا : ومن ضل فإنما أنا من المنذرين وهو الذي كان يقتضيه الظاهر إلى قوله :
« فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ »
لتذكيره صلّى اللّه عليه وآله وسلم بما تقدم من العهد اليه أنه ليس إلا منذرا