الجملة تلويح إلى أن هذا الصنع والفعل منه تعالى تخريب للدنيا وهدم للعالم ، لكنه في الحقيقة تكميل لها وإتقان لنظامها لما يترتب عليه من إنهاء كل شيء إلى غايته وإيصاله إلى وجهته التي هو مولّيها من سعادة أو شقاوة لأن ذلك صنع اللّه الذي أتقن كل شيء فهو سبحانه لا يسلب الإتقان عما أتقنه ولا يسلّط الفساد على ما أصلحه في تخريب الدنيا تعمير الآخرة .
وقوله :
إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ
قيل : إنه تعليل لكون ما ذكر من النفخ في الصور وما بعده صنعا محكما له تعالى فإن علمه بظواهر أفعال المكلفين وبواطنها مما يستدعي إظهارها وبيان كيفياتها على ما هي عليه من الحسن والسوء وترتيب آثارها من الثواب والعقاب عليها بعد البعث والحشر وتسيير الجبال .
وأنت ترى ما فيه من التكلف وأن السياق بعد ذلك كله لا يقبله .
وقيل : إن قوله :
« إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ »
استئناف في حكم الجواب عن سؤال مقدّر كأنه قيل : فما ذا يكون بعد هذه القوارع ؟ فقيل : إن اللّه خبير بعمل العاملين فيجازيهم على أعمالهم وفصّل بقوله :
« مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها »
إلى آخر الآيتين .
وهاهنا وجه آخر مستفاد من الإمعان في سياق الآيات السابقة فإن اللّه سبحانه أمر فيها نبيه صلّى اللّه عليه وآله وسلم أن يتوكل عليه ويرجع أمر المشركين وبني إسرائيل اليه فإنه إنما يستطيع هداية المؤمنين بآياته المستسلمين للحق وأما المشركون في جحودهم وبنو إسرائيل في اختلافهم فإنهم موتى لا يسمعون وصمّ عمي لا يسمعون ولا يهتدون إلى الحق بالنظر في آيات السماء والأرض والاعتبار بها باختيار منهم .
ثم ذكر ما سيواجههم به - وحالهم هذه الحال لا يؤثر فيهم الآيات - وأنه سيخرج لهم دابة من الأرض تكلمهم وهي آية خارقة تضطرهم إلى قبول الحق وأنه يحشر من كل أمة فوجا من المكذبين فيتم عليهم الحجة ، وبالآخرة هو خبير بأفعالهم سيجزي من جاء بحسنة أو سيئة بعمله يوم ينفخ في الصور ففزعوا وأتوه داخرين .