وظاهر الآية أن هذا الحشر في غير يوم القيامة لأنه حشر للبعض من كل أمة لا لجميعهم وقد قال تعالى في صفة الحشر يوم القيامة :
وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً
( الكهف / 47 ) .
وفيه أنه لو كان المراد الحشر إلى العذاب لزم ذكر هذه الغاية دفعا للابهام كما في قوله تعالى :
وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذا ما جاؤُها
( حم السجدة / 20 ) ، مع أنه لم يذكر فيما بعد هذه الآية إلا العتاب والحكم الفصل دون العذاب والآية كما ترى مطلقة لم يشر فيها إلى شيء يلوح إلى هذا الحشر الخاص المذكور ويزيدها إطلاقا قوله بعدها :
« حَتَّى إِذا جاؤُ »
فلم يقل : حتى إذا جاءوا العذاب أو النار أو غيرها .
قوله تعالى :
حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ أَ كَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
المراد بالمجيء - بإعانة من السياق - هو الحضور في موطن الخطاب المدلول عليه بقوله :
« قالَ أَ كَذَّبْتُمْ »
الخ ؛ والمراد بالآيات - كما تقدم في الآية السابقة - مطلق الآيات الدالة على الحق ، وقوله :
« وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً »
جملة حالية أي كذبتم بها حال كونكم لا علم لكم بها لإعراضكم عنها فكيف كذبتم بما لا تعلمون أي رميتموها بالكذب وعدم الدلالة من غير علم ، وقوله : « أم ما ذا كنتم تعملون » أي غير التكذيب .
والمعنى : حتى إذا حضروا في موطن الخطاب قال اللّه سبحانه لهم : أكذّبتم بآياتي حال كونكم لم تحيطوا بها علما أم أي شيء كنتم تعملون غير التكذيب ، وفي ذلك عتابهم بأنهم لم يشتغلوا بشيء غير تكذيبهم بآيات اللّه من غير أن يشغلهم عنه شاغل معذّر .
قوله تعالى :
وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ
الباء في
« بِما ظَلَمُوا »
للسببية و « ما » مصدرية أي وقع القول عليهم بسبب كونهم ظالمين ، وقوله :
« فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ »
تفريع على وقوع القول عليهم .
وبذلك يتأيد أن المراد بالقول الذي يقع عليهم قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ