نفس الخطاب الصادر هناك وهو في معنى قال اللّه يا موسى لا تخف ، الخ .
وقوله :
لا تَخَفْ
نهي مطلق يؤمنه عن كل ما يسوء مما يخاف منه ما دام في حضرة القرب والمشافهة سواء كان المخوف منه عصا أو غيرها ولذا علّل النهي بقوله :
« إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ »
فإن تقييد النفي بقوله :
« لَدَيَّ »
يفيد أن مقام القرب والحضور يلازم الأمن ولا يجامع مكروها يخاف منه ، ويؤيده تبديل هذه الجملة في القصة من سورة القصص من قوله :
« إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ »
فيتحصّل المعنى : لا تخف من شيء إنك مرسل والمرسلون - وهم لديّ في مقام القرب - في مقام الأمن ولا خوف مع الأمن .
وأما فرار موسى عليه السّلام من العصا وقد تصوّرت بتلك الصورة الهائلة وهي تهتزّ كأنها جان فقد كان جريا منه على ما جبل اللّه الطبيعة الإنسانية عليه إذا فاجأه من المخاطر ما لا سبيل له إلى دفعه عن نفسه إلا الفرار وقد كان أعزل لا سلاح معه إلا عصاه وهي التي يخافها على نفسه ولم يرد عليه من جانبه تعالى أمر سابق أن يلزم مكانه أو نهي عن الفرار مما يخافه على نفسه إلا قوله تعالى :
« وَأَلْقِ عَصاكَ »
وقد امتثله ، وليس الفرار من المخاطر العظيمة التي لا دافع لها إلا الفرار ، من الجبن المذموم حتى يذمّ عليه .
وأما أن الأنبياء والمرسلين لا يخافون شيئا وهم عند ربهم - على ما يدل عليه قوله :
« إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ »
- فهم لا يملكون هذه الكرامة من عند أنفسهم بل إنما ذلك بتعليم من اللّه وتأديب وإذ كان موقف ليلة الطور أول موقف من موسى قرّبه اللّه اليه فيه وخصّه بالتكليم وحباه بالرسالة والكرامة فقوله :
« لا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ »
وقوله :
« لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ »
تعليم وتأديب إلهي له عليه السّلام .
فتبين بذلك أن قوله :
« لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ »
تأديب وتربية إلهية لموسى عليه السّلام وليس من التوبيخ والتأنيب في شيء .
قوله تعالى :
إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ