الذي ينبغي أن يقال - واللّه أعلم - أن الآية السابقة لما أخبرت عن أن المرسلين آمنون لا يخافون فهم منه أن غيرهم من أهل الظلم غير آمنين لهم أن يخافوا استدرك في هذه الآية حال أهل التوبة من جملة أهل الظلم فبيّن أنهم لتوبتهم وتبديلهم ظلمهم - وهو السوء - حسنا بعد سوء مغفور لهم مرحومون فلا يخافون أيضا .
فالاستثناء من المرسلين وهو استثناء منقطع والمراد بالظلم مطلق المعصية وبالحسن بعد السوء التوبة بعد المعصية أو العمل الصالح بعد السيئ ، والمعنى : لكن من ظلم باقتراف المعصية ثم بدّل ذلك حسنا بعد سوء وتوبة بعد معصية أو عملا صالحا بعد سيئ فإني غفور رحيم أغفر ظلمه وأرحمه فلا يخافن من بعد ذلك شيئا .
قوله تعالى :
وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ
الخ ؛ فسّر السوء بالبرص وقد تقدم ، وقوله :
« فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ »
يمكن أن يستظهر من السياق أولا أن
« فِي تِسْعِ »
حال من الآيتين جميعا ، والمعنى : آتيتك هاتين الآيتين - والعصا واليد - حال كونهما في تسع آيات .
وثانيا : أن الآيتين من جملة الآيات التسع ، وقد تقدم في تفسير قوله تعالى :
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ
( الإسراء / 101 ) ، كلام في تفصيل الآيات التسع ، والباقي ظاهر .
قوله تعالى :
فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ
المبصرة بمعنى الواضحة الجلية ، وفي قولهم :
« هذا سِحْرٌ مُبِينٌ »
إزراء وإهانة بالآيات حيث أهملوا الدلالة على خصوصيات الآيات حتى العدد فلم يعبأ بها إلا بمقدار أنها أمر ما .
قوله تعالى :
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا
الخ ؛ قال الراغب : الجحد نفي ما في القلب إثباته وإثبات ما في القلب نفيه . انتهى . والاستيقان والإيقان بمعنى .