قوله تعالى :
قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ
- إلى قوله -
مِنَ الْمَسْجُونِينَ
لمّا كلم فرعون موسى عليه السّلام في معنى رسالته قادحا فيها فتلقى الجواب بما كان فيه إفحامه أخذ يكلمه في خصوص مرسله وقد أخبره أن الذي أرسله هو رب العالمين فراجعه فيه واستوضحه بقوله :
« وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ؟ »
إلى تمام سبع آيات .
واتضاح المراد منها يتوقف على تذكر أصول مذاهب الوثنية في أمر الربوبية وقد تقدمت الإشارة إليها في خلال الأبحاث السابقة من هذا الكتاب كرارا .
فقوله :
« قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ »
سؤال منه عن حقيقة رب العالمين بيانه أن فرعون كان وثنيا يعبد الأصنام وهو مع ذلك يدّعي الألوهية ، أما عبادته الأصنام فلقوله تعالى :
وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ
( الأعراف / 127 ) ، وأما دعواه الألوهية فللآية المذكورة ولقوله تعالى :
فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى
( النازعات / 24 ) .
ولا منافاة عند الوثنية بين كون الشيء إلها ربا وبين كونه مربوبا لرب آخر لأن الربوبية هو الاستقلال في تدبير شيء من العالم وهو لا ينافي الإمكان والمربوبية لشيء آخر وكل رب عندهم مربوب لآخر إلا اللّه سبحانه فهو رب الأرباب لا رب فوقه وإله الآلهة لا إله له .
وكان الملك عند الوثنية ظهورا من اللاهوت في بعض النفوس البشرية بالسلطة ونفوذ الحكم فكان يعبد الملوك كما يعبد أرباب الأصنام وكذلك رؤساء البيوت في بيوتهم ، وكان فرعون وثنيا يعبد الآلهة وهو ملك القبط يعبده قومه كسائر الآلهة .
فلما سمع من موسى وهارون قولهما :
« إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ »
تعجّب منه إذ لم يعقل له معنى محصلا إذ لو أريد به الواجب وهو اللّه سبحانه فهو عنده رب عالم الأرباب دون جميع العالمين ولو أريد به بعض الممكنات الشريفة من الآلهة كبعض الملائكة وغيرهم فهو أيضا عنده رب عالم من عوالم الخلقة دون جميع العالمين فما معنى رب العالمين .
ولذلك قال :
« وَما رَبُّ الْعالَمِينَ »
فسأل عن حقيقة الموصوف بهذه الصفة بما هو موصوف