القتل ، والسبب في خوفه وفراره ما أخبر اللّه به في سورة القصص بقوله :
وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ
( القصص / 21 ) .
وأما الحكم فالمراد به - كما استظهرناه - إصابة النظر في حقيقة الأمر وإتقان الرأي في العمل به .
وقوله :
وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ
جواب عن الاعتراض الأول وهو استغراب رسالته واستبعادها وهم يعرفونه ، وقد شاهدوا أحواله حينما كانوا يربّونه فيهم وليدا ولبث فيهم من عمره سنين ، وتقريره أن استغرابهم واستبعادهم رسالته استنادا إلى سابق معرفتهم بحاله إنما يستقيم لو كانت الرسالة أمرا اكتسابيا يمكن أن يحدس به أو يتوقع حصول مقدماته الاختيارية ، وليس الأمر كذلك بل هي أمر وهبي لا تأثير للأسباب العادية فيها وقد جعله اللّه من المرسلين كما وهب له الحكم بغير اكتساب هذا ما يعطيه التدبر في السياق .
وقوله :
وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ
جواب عن منّه عليه وتقريعه بأنه من عبيده وقد كفر نعمته وتقرير الجواب أنّ هذا الذي تعدّه نعمة وتقرّ عني بكفرانها سلطة ظلم وتغلّب إذ عبّدت بني إسرائيل والتعبيد ظلما وتغلّبا ليس من النعمة في شيء .
فالجملة استفهامية مسوقة للإنكار و
« أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ »
بيان لما أشير اليه بقوله :
« تِلْكَ »
والمحصّل أن الذي تشير اليه بقولك
« وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ »
من أن لك عليّ نعمة كفرتها إذ كنت وليّ نعمتي وسائر بني إسرائيل - أو إذ كنت وليّ نعمتنا معشر بني إسرائيل - ليس بحق إذ كونك وليا منعما ليس إلا استنادا إلى التعبيد ، والتعبيد ظلم والولاية المستندة اليه أيضا ظلم وحاشا أن يكون الظالم وليا منعما له على من عبّده نعمة وإلا كان التعبيد نعمة وليس نعمة ، ففي قوله :
« أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ »
وضع السبب موضع المسبب .