لنفسه .
والآيات الثلاث جواب موسى عليه السّلام عما اعترض به فرعون ، والتطبيق بين جوابه عليه السّلام وما اعترض به فرعون يعطي أنه عليه السّلام حلل كلام فرعون إلى القدح في دعواه للرسالة من ثلاثة أوجه : أحدها استغراب رسالته واستبعادها وهو الذي يعلم حاله وقد أشار اليه بقوله : « ألم نربك فينا وليدا ولثبت فينا من عمرك سنين » والثاني استقباح فعلته ورميه بالإفساد والجرم بقوله :
« وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ »
والثالث المن عليه بأنه من عبيده ويستفاد ذلك من قوله :
« وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ »
وقد اقتضى طبع ما يذكره في الجواب أن يغير الترتيب في الجواب فيجيب أولا عن اعتراضه الثاني ثم عن الأول ثم عن الثالث .
فقوله :
فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ
جواب عن اعتراضه بقتل القبطي وقد استعظمه حيث لم يصرّح باسمه بل كنّى عنه بالفعلة التي فعلت صونا للأسماع أن تقرع باسمه فتتألم .
والتدبر في متن الجواب ومقابلته الاعتراض يعطي أن قوله :
« فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً »
من تمام الجواب عن القتل فيتقابل الحكم والضلال ويتضح حينئذ أن المراد بالضلال الجهل المقابل للحكم والحكم إصابة النظر في حقيقة الأمر وإتقان الرأي في تطبيق العمل عليه فيرجع معناه إلى القضاء الحق في حسن الفعل وقبحه وتطبيق العمل عليه ، وهذا هو الذي كان يؤتاه الأنبياء ، قال تعالى :
« وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ »
.
فالمراد أني فعلتها حينئذ والحال أني في ضلال من الجهل بجهة المصلحة في والحق الذي يجب أن يتبع هناك فأقدمت على الدفاع عمن استنصرني ولم أعلم أنه يؤدي إلى قتل الرجل ويؤدي ذلك إلى عاقبة وخيمة تحوجني إلى خروجي من مصر وفراري إلى مدين والتغرّب عن الوطن سنين .
وقوله :
فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً
متفرع على قصة