وإهانتهم بالاسم الكريم : الرحمن ، قابله في هذه الآية بذكر ما يقابل ذلك للمؤمنين وسماهم عبادا وأضافهم إلى نفسه متسميا باسم الرحمن الذي كان يحيد عنه الكفار وينفرون .
وقد وصفتهم الآية بوصفين من صفاتهم :
أحدهما : ما اشتمل عليه قوله :
« الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً »
والهون على ما ذكره الراغب التذلل ، والأشبه حينئذ أن يكون المشي على الأرض كناية عن عيشتهم بمخالطة الناس ومعاشرتهم فهم في أنفسهم متذللون لربهم ومتواضعون للناس لما أنهم عباد اللّه غير مستكبرين على اللّه ولا مستعلين على غيرهم بغير حق ، وأما التذلل لأعداء اللّه ابتغاء ما عندهم من العزة الوهمية فحاشاهم وإن كان الهون بمعنى الرفق واللين فالمراد أنهم يمشون من غير تكبر وتبختر .
وثانيهما : ما اشتمل عليه قوله :
« وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً »
أي إذ خاطبهم الجاهلون خطابا ناشئا عن جهلهم مما يكرهون أن يخاطبوا به أو يثقل عليهم كما يستفاد من تعلق الفعل بالوصف أجابوهم بما هو سالم من القول وقالوا لهم قولا سلاما خاليا عن اللغو والإثم ، قال تعالى :
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً
( الواقعة / 26 ) ، ويرجع إلى عدم مقابلتهم الجهل بالجهل .
وهذه - كما قيل - صفة نهارهم إذا انتشروا في الناس وأما صفة ليلهم فهي التي تصفها الآية التالية .
قوله تعالى :
وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً
البيتوتة إدراك الليل سواء نام أم لا ، و
« لِرَبِّهِمْ »
متعلق بقوله :
« سُجَّداً »
والسجد والقيام جمعا ساجد وقائم ، والمراد عبادتهم له تعالى بالخرور على الأرض والقيام على السوق ، ومن مصاديقه الصلاة .
والمعنى : وهم الذين يدركون الليل حال كونهم ساجدين فيه لربهم وقائمين يتراوحون سجودا وقياما ، ويمكن أن يراد به التهجد بنوافل الليل .