قوله تعالى :
تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً
الظاهر أن المراد بالبروج منازل الشمس والقمر من السماء أو الكواكب التي عليها كما تقدم في قوله :
وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ
( الحجر / 17 ) ، وإنما خصّت بالذكر في الآية للإشارة إلى الحفظ والرجم المذكورين .
والذي يعطيه التدبر أن قوله :
« تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً »
الخ ؛ مسوق سوق التعزز والاستغناء ، وأنهم غير معجزين باستكبارهم على اللّه واستهزائهم بالرسول بل هؤلاء ممنوعون عن الاقتراب من حضرة قربه والصعود إلى سماء جواره والمعارف الإلهية مضيئة مع ذلك لأهله وعباده بما نوّرها اللّه سبحانه بنور هدايته وهو نور الرسالة .
وعلى هذا فقد أثنى اللّه سبحانه على نفسه بذكر تباركه بجعل البروج المحفوظة الراجمة للشياطين بالشهب في السماء المحسوسة وجعل الشمس المضيئة والقمر المنير فيها لإضاءة العالم المحسوس ، وأشار بذلك إلى ما يناظره في الحقيقة من إضاءة العالم الإنساني بنور الهداية من الرسالة ليتبصر به عباده ، كما يذكر حالهم بعد هذه الآيات ودفع أولياء الشياطين عن الصعود اليه بما هيّأ لدفعهم من بروج محفوظة راجمة .
هذا ما يعطيه السياق وعلى هذا النمط من البيان سيقت هذه الآيات والتي قبلها كما تقدمت الإشارة اليه في تفسير قوله :
« أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ »
فليس ما ذكرناه من التأويل بمعنى صرف الآيات عن ظاهرها .
قوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً
الخلفة هي الشيء يسدّ مسدّ شيء آخر وبالعكس وكأنه بناء نوع أريد به معنى الوصف فكون الليل والنهار خلفة أن كلا منهما يخلف الآخر ، وتقييد الخلفة بقوله :
« لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً »
للدلالة على نيابة كل منهما عن الآخر في التذكر والشكر .