المراد بهم مشركو العرب الرادّون لدعوة القرآن كما في قدحهم السابق المحكي بقوله :
« وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ »
الخ .
وقوله :
لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً
قد تقدم أن الإنزال والتنزيل إنما يفترقان في أن الإنزال يفيد الدفعة والتنزيل يفيد التدريج لكن ذكر بعضهم أنّ التنزيل في هذه الآية منسلخ عن معنى التدريج لأدائه إلى التدافع إذ يكون المعنى على تقدير إرادة التدريج :
لولا فرّق القرآن جملة واحدة والتفريق ينافي الجملية بل المعنى هلّا أنزل القرآن عليه دفعة غير مفرق كما أنزل التوراة والإنجيل والزبور .
قوله تعالى :
كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً
الثبات ضدّ الزوال ، والإثبات والتثبيت بمعنى واحد والفرق بينهما بالدفعة والتدريج ، والفؤاد القلب والمراد به كما مر غير مرة الأمر المدرك من الإنسان وهو نفسه ، والترتيل - كما قالوا - الترسيل والإتيان بالشيء عقيب الشيء ، والتفسير - كما قال الراغب - المبالغة في إظهار المعنى المعقول كما أن الفسر بالفتح فالسكون إظهار المعنى المعقول .
وظاهر السياق أن قوله :
« كَذلِكَ »
متعلق بفعل مقدر يعلله قوله :
« لِنُثَبِّتَ »
ويعطف عليه قوله :
« وَرَتَّلْناهُ »
والتقدير نزلناه أي القرآن كذلك أي نجوما متفرقة لا جملة واحدة لنثبت به فؤادك ، وقول بعضهم : إن
« كَذلِكَ »
من تمام قول الذين كفروا سخيف جدا .
فقوله :
كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ
بيان تام لسبب تنزيل القرآن نجوما متفرقة وبيان ذلك أن تعليم علم من العلوم وخاصة ما كان مرتبطا بالعمل بإلقاء المعلّم مسائله واحدة بعد واحدة إلى المتعلّم حتى تتم فصوله وأبوابه إنما يفيد حصولا ما لصور مسائله عند المتعلّم وكونها مذخورة بوجه ما عنده يراجعها عند مسيس الحاجة إليها ، وأما استقرارها في النفس بحيث تنمو النفس عليها وتترتب عليها آثارها المطلوبة منها فيحتاج إلى مسيس الحاجة