تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 492

مساهمون:

ص٤٩٢
الشرك . والنكتة فيه الإشارة إلى أن الحكم الإلهي نافذ جار لا مانع منه ولا معقّب له كأنه قيل : وإن كذّبكم المعبودون وما استطاعوا صرفا ولا نصرا فالحكم العالم الإلهي
« مَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً »
على نفوذه وجريانه لا مانع منه ولا معقّب له فأنتم ذائقون العذاب البتة . قوله تعالى :
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ
إلى آخر الآية ؛ أجاب تعالى عن قولهم :
« ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ »
الخ ؛ أولا بقوله :
« تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ »
الخ ؛ مع ما يلحقه من قوله :
« بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ »
الخ ؛ وهذا جواب ثان محصّله أن هذا الرسول ليس بأول رسول أرسل إلى الناس بل أرسل اللّه قبله جما غفيرا من المرسلين وقد كانوا على العادة البشرية الجارية بين الناس يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ولم يخلق لهم جنة يأكلون منها ولا ألقي إليهم كنز ولا أنزل معهم ملك ، وهذا الرسول إنما هو كأحدهم ولم يأت بأمر بدع حتى يتوقع منه ما لا يتوقع من غيره . فالآية في معنى قوله :
قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ
( الأحقاف / 9 ) ، وقريبة المعنى من قوله :
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ
( الكهف / 110 ) . وقوله تعالى :
وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ
متمم للجواب السابق بمنزلة التعليل لكون الرسل كسائر الناس في الخواص البشرية من غير أن تتميز حياتهم أو دعوتهم بخواص سماوية تورث القطع بكونهم حاملين للرسالة الإلهية كإنزال ملك عليهم أو إلقاء كنز إليهم أو خلق جنة لهم فكأنه قيل : والسبب في كون الرسل جارين في حياتهم على ما يجري عليه الناس أنا جعلنا بعض الناس لبعض فتنة يمتحنون بها فالرسل فتنة لسائر الناس يمتحنون بهم فيتميز بهم أهل الريب من أهل الإيمان والمتبعون للأهواء الذين لا يصبرون على